البحث عن الساق المقطوعة

البيداء موغلة في القِدَم وفي الامتداد وفي الظمأ... القيظ ينشر نارا تسْتعر، ولا أعرف كيف عبرْتُ هذا القفْــر برجْل واحدة، والثانية بعكاز خشبيّ يغوص في الرمل دون ساقي المقطوعة التي تبْقى مُعلّقة.

ساقي المقطوعة هذه، فقدْتها في الحرب التي دارتْ رحاها على امتداد هذه الصحراء. وعلى قناعتي بالحروب التي خُضتها، إلا أنّ ساقي المقطوعة كان من الممكن أن لا أفقدها لولا غبائي وجهلي بالحرب وأسبابها .

صدّقوني لم أكن أعرف سبب هذه الحرب ولا الأسباب التي جعلتْني أخوضها، فقط كان لزاما عليّ أن أحمل سلاحي لأقول أنني أدافع عن... وعن ... وعن ....

      ها أني قطعتُ شوطا هائلا في امتداد هذه المسافة ... لكنني لسْتُ مُطالبا بعبور البيداء من شرْقها إلى غربها، نحو هدفي .

وهدفي هوّ أن تطأ رجلاي ـ عفوا رجليَ اليُمنى فقط ـ كلّ شبر تقدر على دوْسه، بحثا عن ساقي المقطوعة تلْك .

لا بدّ أن أجدها في مكان ما.. فالحرب دارت رحاها في هذه الصحراء . وما يجْعلني مُتفائلا، هوّ أني أثق بمعْرفتي بذات الصحراء التي وطأتْها أقدامنا لنخوض معركة، لا أعرف من هو المُنتصر فيها . إنها ذات الصحراء التي ارْتوتْ، وما ارتوتْ بدمائنا .. ذات الصحراء التي..

وعلى عطشي سأواصل.. لن أتراجع .. لن أرفع الراية ولن أسْتكين، إلا إذا عثرْتُ على ساقي المقطوعة تلك.

 .....

فجأة صاج:

ـ إنها هيّ.. هيّ نفس الساق .. كنتُ مُتأكدا أني سأجدها. نعم سأجدها .

.....

أسرع كي يُدركها، غاصتْ عصاه في الرمل.. مال كالهوْدج على اليسار، وسقط .

انْدسّ وجهه في حبّات الرمل الحارقة .. مسح بكُمّ قميصه .. أعاد لفّة رجْل السروال اليُسْرى إلى مكانها، واتّكأ على عجزه بمرارة الجهد، وواصل سيْره نحن هدفه / ساقه المقطوعة .

أخيرا أدركها .. أصابتْه قشعريرة باردة ـ رغم القيض وشدّة الحرّ ـ بعْد أن بدأ يحلم بانتصاره .

... تبخّر حلمه فجأة، لمّا أدرك جذع نخلة يَغْرق نصِفه في الوحل.

    اغتاظ من سخْريّة القدر، وهزّ عصاه كيْ يضْرب الجذع انْتقاما من جلده..

تمرّغ حتّى تسلل الرمل إلى لحمه .

ظلّ مُلْقى على صبره، يُواري خيْبته وعجزه الإنساني أمام العبث وأمام القيض المُضْطرم ز

أفاق وواصل سيْره ولم يمْسح الرمل من على وجهه.. أبْرق للامتداد وللعمق الراسخ في البيداء .. للسراب المقيت، يضنّ على نفسه نغبة ماء تسْتقرّ حارّة في قاع قربته، وواصل سيره .

   ـ ساقي في مكان ما قريب من هنا.. أنا واثق من ذلك .. لن أسْتسْلم .. لن أعود   إلا   وساقي على كتفي .

تقدّم أمتارا ليكتشف أعضاء جسم إنساني .تسمّر في مكانه كالوتد .. جال في ذهنه أنّ ساقه قدْ يجدها بالسهولة التي لم يكن يعتقدها .

      ـ هذا الجسد المُلْقى، سأقطع منه ساقه اليُسْرى وأعود . الأرْجل تتشابه كلّها، ثمّ  من أدراني أنّ الساق التي سأعْثر عليها مُلقاة على الرمل هيّ ذاتها ساقي أنا         المقطوعة... قدْ تكون ساقَ مُحارب آخر .

اقترب من الشخص المُمدّد على وجْهه .. انحنى عليه  ..تلمّسه، فاهْتزّ الرجل .

تأمّله جيّدا، ولم يلغّ أحد بالكلام... كلّ واحد يتأمّل الآخر . وفجأة خرجتْ منهما قهقهة في ذات الحين امتدّ صداها إلى الصدى. قال الرجل :

        ـ أأنتَ أيضا ؟

        ـ اعْتقدْتُ أنني الوحيد الذي يبحث عن ساقه المقطوعة .

        ـ أتُوافقني ؟ أعْطيك ساقي اليُمْنى، وتُعطيني ساقك اليُسْرى ؟

          لا .. لا .. ولكن ما الفائدة ؟ إذا كانت لكلينا ساق مقطوعة  ؟ يعني سيبْقى   كل واحد منا في حاجة لساق ثانية.

        ـ ما الحلّ إذن ؟

        ـ أدعكَ تبْحث عن يُمْناك، ولأذْهبْ أنا أبحث عن يُسْرايا .

خطى خطوتان في اتّجاهه، مُقلّصا جسْمه قليلا، مُنْحنيا ومدّ له يده يساعده على الانتصاب، قائلا:

        ـ ما رأيكَ لو نتكئ على عجزنا ونتأبط رحلة البحث معا ؟ أنا عن يمنايا،               وأنتَ تبْحث عن يُسْراك .

على شدّة القيض، وامتداد المسافة والمُطلق .. كان يسودهما الأمل أن يجد كلاهما ساقه بعد مسافة من العَرَق والتأرْجح بين السّقوط والعطش .

قال الرجل :

        ـ لو عثرْتَ على ساقكَ، ماذا تصْنع ؟

        ـ ( يصْمت قليلا ) ربّما.. لا أدري .. قد أحتفظ بها إلى حين . أو .. المهم أنْ   أجدها وأحقق انتصارا على الحرب التي شردتْني. وأنتَ ؟

        ـ أنا ؟   ( يُقهقه ) أنا لم أخضْ حربا في حياتي.ولم أفقدْ ساقي في حرب  كما حدث معك. وإنما فقدْتها بسبب حادث شغل .كان أملي أن أجد مُنْقذا في    هذه البيداء، لساقي المقطوعة.

     كلاهما لم تقْنعْه إجابة الآخر، ولم يكن كلّ منهما مُقتنعا بتبْريره هوّ لرحلة بحْثه تلك.

واصلا سيرهما، والرمل الحارق يشْرب ظلّ الأجساد رويدا .. رويدا، فالشمس أدْركتْ محْور السماء .

وعلى غفْلة من القيض، ومن الصمت المُرّ .. تسمّرْتُ أغْتال أنْفاسي في داخلي .. تجمّدتُ كقطعة ثلج حتى انتبه مرافقي وهو يتّكئ على كتفي مثلما أتكئ، وقال :

        ـ لماذا تسمّرْتَ ؟

        ـ إنه لغم ...

وبنبرة مُنْحبسة كرائحة الجيفة، حين تتسلل قسْرا إلى لأنفاس .. أمرْتُه أن يحفر لي حفرة مُقابلة، كي أرتمي فيها.

بكلّ ما في حركة الحَفْر من خوف وعجز وجهل بالحروب والألغام... كان ينْبش الرمْل الحارق بخوف القطّة التي تُسْرع لدرْء أطفالها من خطر مُحدّق.

حين أكمل الحفر، قلتُ له:

        ـ ابتعدْ قدْر ما تسْتطيع .. أما أنا، فإذا متّ فرجْلي أمانة في عنقكَ.

ابتعدَ قليلا زاحفا ،وبسخرية قال :

        ـ لا تخفْ ياصديقي، سأجد لساقكَ سعْرا مُناسبا، وربّما لأجزائك الأخرى. هذه مهنتي، منذ أن أصبحت الحروب بال معنى. وداعا يا صديقي وسلّم   على الشهداء هناك .

........

كنتُ أدْرِك بيقين العارف أنّ اللغم لن يُصيبني، وأنّ شراراته تتشظى عاليا. لذلك وقد ارتميتُ مُدركا قاع الحفرة.. كان مُرافقي يسقط هناك على غفلة من جهله.

لكنّ اللغم تمكّن ـ أيضا ـ من ساقي الوحيدة فبترها.

 


اغْتيــال قريـــة

الإهداء: إلى الروائي الطيّب صالح

   القرْية التي احتضنتْني، كانت كلّ حلمنا الذي نعيش. والبيوت التي شيّدها الحفر في الصخر وفي مناجم الفحم الممتدّة في الزمن الأول، كانت كذلك أيْضا.

هذه البيوت الطينيّة على ضيقها، تحتفل دون عناء بثمانية أطفال في غرفة واحدة مظلمة، إلا من جهة البوتقة المشْرفة على فتحة الباب... تدخل الشمس صباحا فتختنق برائحة العَرَق والفحم والطبيخ، فتسْرع نافذةً بشعاعها إلى ثقب في وسط السماء، لتسْتحيل كنار المجوس تحرق أجساد آبائنا وأجدادنا، وهم ينْكبّون على الصخر ورافعات الفحم، يعالجونه بصبر أقْرب للمعاناة . تراهم كالنمل صفا يتدافعون إلى مدخل منجم الفحم مثقلين بالمعاول والأدوات المعدّة للحفر، بعد أن يكونوا وصلوا إليه بعد ساعة من المشْي. كلما حلّ مشهد المنجم في الذاكرة تخيّلت أنّ أهل القرية يحفرون الصخر بأظافرهم. تلك الأظافر التي لا تظهر وهي تنْبت في الأنامل السوداء الصماء المتآكلة كأعواد الكبريت المحترق...حتّى وهي تقطر دما لا يفطنون لها، أو ربّما لا يحسّون بالألم الناتج عن الإصابات المختلفة، وهم يعودون لبيوتهم... لأكواخهم...للطين المتشكّل بتلك الأصابع  نفسها . إنهم لا ينتبهون لأظافرهم وهي تنبت قطعة فحم كأنها لا تنتمي لذات الجسد الفحميّ المرهق.

... كنّا لسْنا ندري أيّ اسم يُطلق على المكان الذي يطهون فيه، ولا المكان الذي يسْتحمّون فيه، ولا المكان الذي يتغوّطون فيه ، ولا .... هوّ بيت واحد كغرفة واحدة أو هو الغرفة / البيت.

فانوس الكربون في ركن يحتفل بإنارته، رغم لعنة الجدار ـ حتّى آخر حبّة كربون ـ على السواد الباقي على وجهه الطينيّ.

ركن الوالدين وركن الأطفال، يفصل بينهما ستار من قماش تكلّس بفعل الأوساخ التي تراكمتْ بين أيْقوناته حتّى صار صلبا يكاد يتكسّر.رغم سمك القماش المتكلّس، إلا أنني كثيرا ما أسْتمع خلفه لخشْخشة غريبة في آخر الليْل الزنجيّ المخيف . لذلك لا أتوانى عن دسّ رأسي بين طياته دون أنْ يفطن إخوتي، أو ربما لم أتفطّن إلى أنهم تفطّنوا لدسّ أنفي وعيوني خلف الممنوع .

كنت لا أفهم لماذا يعتلي أبي أمّي، كأنه يتدرب على ركوب بغل..بجهد وتعب وعرق، فهمت بعد سنوات أنه بفعل سنه المتقدّمة.

القرية التي احتضنتْني، كانت في تشابه أيامها أشْبه بالوجوه السود المتشابهة كلّ صباح.

وهذا الصباح لا يعني للأطفال شيئا عدا اللعب والتهريج، وحتّى المدرّسة التي اسْتقدمتْها منظمة دوليّة لتدريس أبجديات القراءة، هددها مسلحون وأجبروها على ترك المكان.

ككلّ صباح أبقى أترصّد حركات أمّي التي لا تهدأ، وهي تغسل حوائجنا وتجلب الماء من البئر الناضبة إلا من غدير يركد في أسفل بطنها،ملء الوسخ والقيء . وربما يحتفي بالحشرات والأفاعي، مع ذلك هي بئر كالله عندنا،توحّدنا وتعطينا القدرة على أنْ نبقى ونعيش... ذات الماء الذي جعل أجدادي يعيشون منذ الزمن الأول على الترحال .هو ذات الماء الذي أوصل أجدادي إلى هذه المنطقة الأقرب للشمال .

ــ خيْرات الدنيا في الشمال يا ولدي . قال والدي .

ــ وما الشمال يا أبتي ؟

ــ إنه الدنيا ... كلّ الدنيا .

من هنا، وعلى بعد ميليْن تقريبا تتنقّل أمي لجلب الماء للغسيل والطبيخ و .. مرات عديدة في اليوم الواحد دون كلل . ولم تتوفّر لي فرصة أنْ أرى والدي يجهّز أغراضه قاصدا عمله، لأنه يكون قد وصله وباشره قبل نهوضنا بساعات عديدة بمنجم الفحم المطل على القرية في الجبل المقابل.

كنت وأخوتي إلى سنّ متأخّرة لا نعرف أنّ أحدا منّا كان يغسل وجهه صباحا، فالمسْألة  ليْست من الأهميّة بمكان، طالما أنّ الماء الذي تشْقى أمّي لإيصاله في الأواني القصديريّة، بالكاد يكفي للطبخ وغسل الملابس الرثّة القليلة، والتي نادرا ما أرى أمي تغسلها .

وأما الطبيخ، فلا نعرف غيْر الحشائش المطبوخة والأرز الذي تمنّ به علينا شاحنات كبيرة زرقاء كالغول، يقول والدي أنها قادمة من الشمال البعيد البعيد .

أرز يوزّعه علينا رجال لايُشْبهوننا، لذلك ـ وتحسبا للأزمات ـ كثيرا ما كانت أمي تحتفظ بحفنة من الكميّة التي نحتال على أخذها بطرق مختلفة . هذا زيادة على ما يتقاضاه والدي من شغله، وهو عبارة عن أرز وعلب أخرى، وأحيانا بعض الملابس التي نسْعد بها كثيرا. فوالدي لا يتقاضى مالا... ما ذا نفعل بالمال ؟ لا حوانيت ولا ما نشْتري.

أما في المناسبات الدينيّة فلا نأكل يوما كاملا تبرّكا للربّ. وكنت أكره هذه المناسبات كثيرا إلى درجة أنني أتظاهر بالمرض كيْ يطعموني.وهكذا يفعل البعض من أخوتي .

إنّ أكثر المشاهد العالقة بذاكرتي، تلك الأكمة التي كنت بيْن أغصانها الإبريّة أقْضي حاجتي البشريّة . فالكلّ يقضي حاجته في المكان الذي يريد، فالفضاء ممتدّ ومتّسع. حاول فقط أنْ تحتمي بصبّار أو كوم تراب كي لا تُرى .

وراء تلك الأكمة كنت أقضي حاجتي، ما أكاد أفرغ حتّى أجد بعض الطيور العالقة في سمائي تترصّدني لتنْقضّ على أكلتها... هو نفس المكان الذي أختبئ فيه حين ألعب مع الصبية لعبة التخفّي . وكنت أتباهى دائما بأنني آخر من يُعثر عليه، بعد أنْ أكون قد خرجْت من مكمني لئلا يكتشفوه.

في أحد أيام الهجير العاديّة، كنا نمارس لعبتنا المفضلة ... أسْرعتُ إلى مكمني كعادتي، إلا أنّ إحدى الفتيات اللاتي يلعبن معنا لم تجد مخبأها، وبقيتْ مترددة فانْدسّتْ بجانبي. ما كنت لأرفض، رغم حرصي على ملكيّة المكان .

أحسستُ بالْتحام جسديْنا وحرارتهما ... النبض صار واحدا، واجْتمعتْ كلّ حرارة الكون في جسديْنا، حتى التصاق التراب الحارق بفخذيها... كنتُ لحظتها أبي . ذلك المشْهد الليْليّ يتكّرر . لم نشْعر بانسحاب الضحى من قريتنا، وقدْ جمّدتنا اللذة ساعات عديدة.

عاد الأطفال إلى أعشاشهم بعد أنْ يئسوا ولم يكتشفوني . حينها عدنا، وانطلتْ الكذبة على أهلنا بأننا تهنا في الفلوات .

عشرون عاما خلتْ، ولم يبْق من طفولتي غيْر تلك المشاهد العالقة كحبات التين ألشوكي الجافة .

كنتُ أُحلم النفس ــ وأنا أشدّ الرحيل إلى الشمال ــ أنه بإمكاني أنْ أصنع الربيع لقرْيتنا الفحميّة . وأنا أعود إليها بسيارتي التي تسلب الألباب، يعترضني نفس الغبار ونفس القيظ ورائحة الكبريت والفقر والخصاصة ... الآن فقط أرى الفقر وأسمعه وأشمّه... الفقر يُرى بكلّ الحواس .

للمنطقة رائحتها ... رائحة الفحم آتية من بعيد، فأسْتنشقها بامْتلاء، وتدخل لخلايا جسدي جافة حارقة .

على سنوات الغربة، ما زالت بذاكرتي رسوم الأحياء والثنايا والممرات القصديريّة والهضاب الحمراء الجاثمة على صدور القرى الخائفة .

أعبر هذه المشاهد دون أنْ تكفّ ذاكرتي عن اسْتحضار عمارات الشمال والطرقات والجسور والملاهي واللحم الأوربيّ البضّ والسيارات الفاخرة و ...

وأنا أعبر بسيارتي أحاول رسم مشْهد الاسْتقبال الرئاسيّ الذي سأحظى به والحفاوة والترحاب... إنها أول سيارة يملكها أحد أفراد القرية،وأول من يهاجر للشمال منها .

حين أدركْتُ المكان بدت لي المشاهد متغيّرة، وإنْ أرجعتُ ذلك إلى طول المدّة التي غبْت فيها عن القرية. خطوتُ خطوات قليلة عن السيارة، فاعْترضتْني رائحة لا أعرفها . سكون رهيب لمْ تألفه القرية من قبل. كلما خطوْتُ ازْدادتْ الرائحة تغلغلا في داخلي أشْبه برائحة الموت... بالمداخن.. بالجوع الحتْميّ المقدّر على ترابنا.

لمْ تعْترضْني البيوت الطينيّة كما عهدتها، ولا الأطفال يضجّون عرايا، ولا الشيوخ ولا النساء ولا ضجيج المنجم وغباره الذي يصل إلى هنا من بعيد .

البيوت مهدّمة على أصحابها والجثث متعفّنة وأجزاء بشريّة منفصلة، يسْتحيل الفصل بينها ... دماء جافة اسْتحالتْ سمادا أسْود لنباتات لم تنْبت من قبل...

عصيّ وهراوات وفؤوس وخراب أشْبه بحرب أهليّة، كانت تدور رحاها هنا. إنها الحرب التي نهرب منها فتتبعنا، كأنها وهي تتبعنا، تبْحث عن الماء أيْضا.

ما بقيَ، بعض الكلاب تمزّق ــ ما تركه الدود البشريّ ــ إربا، كأنها ما عرفتْ أصحابها.

اشْتبه الركام عليّ، واشْتبهتْ الجثث والسواد والغبار والكلاب و.. و...

جال بصري في المكان ... مسح الأطلال والموتى وما بقي من شجيرات قليلة جرداء. تقدّمتُ نحو أكمة وراءها جثتان لطفلين تعفّنتا، خمّنتُ أنهما طفولتي .


بطاقة تفْتيش

ـ أمرتكم بإحضاره... هذا أمر .

   تدقّ أقدام أحذيتهم وجْه المربعات الفاخرة للمكتب، ويؤتون بأيْديهم إلى جباههم إيذانا بالتحيّة وبتنفيذ الأمر اليوميّ .حتّى يُخيّل غليك أنّ المعلقات الجداريّة وصورة الملك على نصف جدار المكتب، ستسقط أرْضا لهول أقدامهم التي زادتها البدل العسْكريّة الموشّاة بالنياشين، رهبة وسيادة .

ينْتشر أريج الخبر بيْن الأحياء، وفي كل القرى والمدن . وقدْ أذاعتْ الخبر كلّ وسائل الإعلام وجُنّدتْ فرق عسْكريّة وزرافات من البوليس السياسيّ والسريّ لجلْب المأذون بإحضاره.

كلّ شبان المملكة وصلتهم أوامر بالتفتيش والبحث وتقصّي الحقائق ... واجب وطنيّ أشْبه بالخدمة العسْكريّة.

قدْ تبْدو المهمّة شاقة، بل أنّ مكمن الشّقاء في اتّساع أرجاء المملكة، رغم ضخامة القوات المسخّرة لجلبه . ونشْر صوره في كلّ الأماكن العامة، كالمساجد والمقاهي والملاعب الرياضيّة.

ممّ اضْطر خطيب جمعة إلى اعتبار عمليّة البحث هذه جهاد في سبيل الله.

  ـ مضطر إلى أنْ أحدّد مسْؤوليّة كلّ فرد في هذه البلاد عن اختفائه ... وقدْ أضْطرّ إلى خلع البعض منكم من منصبه، إنْ فشلتم في إحضاره. أما الآن

 ( يتنهّد) سآذن لبعض الطائرات العموديّة بالتفتيش والتقصّي هي الأخرى. لأنّ الأمر قدْ يتجاوز مجرّد الاختفاء إلى عمليّة اختطاف من جهات أجنبيّة .

ـ قواتنا تقوم بالواجب على أحسن وجه سيّدي .

ـ انصراف.

( قالها مزمجرا على عادة أصحاب المراتب العسكرية العليا )

لم يكن باسْتطاعة مداركي العسْكريّة ـ وأنا جنديّ بسيط ـ أنْ تفهم ما يحدث داخل المملكة، عدا كوني مطالب أنْ أطبّق التعليمات بحذافيرها.وبالنظر للخط الأصفر الوحيد الذي يعلو كتفي، تفهم إخفاقي المتواصل في كلّ المهمات التي أكلّف بها. إضافة إلى أنني أنحدر من قبيلة عربيّة لازالت تعارض إلى الآن الحكم الملكيّ.

كنتُ أجَرّ كالشاة مع القطيع ... أساق إلى هذا المكان أو ذاك، دون دراية عن هذا الذي نبحث عنه.ودون أنْ أشاهد وجهه. لكنني كنتُ أتخيّله على الأقلّ.

أتصوّره طويل القامة ... عريض المنكبيْن... له لحية الهاربين في الجبال ... حافي القدميْن. وأحيانا أتخيّله بحذاء عسْكريّ ضخم يجمع إليه مجموعة من الشباب يحرّضهم على الإرهاب.

قيل لنا أنّ صورته وُزّعتْ في الأماكن العامة وعلى الصحف ووكالات الأنباء الوطنيّة والدوليّة، غيْر أن الجنود من الدرجة الدنيا والذين من المفروض أنْ يتعرّفوا على الصورة، لم يشاهدوها. رغم أنهم من كُلّفوا بالبحث.

نلوك نفْس الأوامر والتعليمات للأسبوع الثاني على التوالي... من الثامنة صباحا إلى السادسة مساء . لم يكن بإمكاني ليْلتها أنْ أسْتحضر وجْه الشخص الذي شجّعني على قتل مواهبي الفنيّة، والانخراط في السلك العسْكريّ . وإلا... لا أدري، ربما لو تذكّرته لقتلته، أو ربما قبضْتُ عليْه ليُصبح من المشْبوه فيهم.

... كعادتي كلّ مساء وبعد العمل العسْكريّ المضني أعود إلى بيتي لأسْتلقي على أريكتي، أتابع النشرة المسائيّة للأخبار، التي لا يشدّني إليها إلا عناوينها. ومنها أطمئنّ على الجهاز بكبْت صوته إلى الليلة القادمة، محوّلا وجهة اهتمامي إلى القنوات الإذاعيّة وأنا أحاول أنْ أخلد للنوم استعدادا ليوم لا يختلف عن الذي سبقه، إلا من حيْث نوعيّة الأوامر والقرارات .

الليلة لم تكن شبيهة بالليالي الفارطة، على الأقلّ منذ أسْبوعيْن. حيْث سبقتْ الأخبار موسيقى احتفاليّة لم نعهدها قبل النشرة، وجيء بمقدّمة أخبار لم يكن وجهها مألوفا. ابتسمت بإغراء لا مثيل له، وحرّكتْ رأسها لتعيد خصلة من شعرها تدحرجتْ على وجهها:

" فلاح من ضواحي العاصمة، يكشف اللغز الذي شَغَلَ امْن المملكة منذ أسْبوعيْن "

بهذا العنوان صدّرتْ قارئة الأخبار نشْرتها :

" هذه عناوين النشْرة، وإليكم التفاصيل "

( موسيقى )

" تمكّن عشيّة اليوم فلاح من ضواحي العاصمة من الكشْف عن اللغز الذي شغل أمْن المملكة منذ أسْبوعيْن. وذلك حين عثر صدفة في إحدى قنوات الريّ على " لولو " ( قالتها بإغراء ) كلب الأميرة المفقود . حمدا لله على سلامتك يا لولو "

( موسيقى )

" عشرون قتيلا، وعشرات الجرْحى في المعارك الدائرة رحاها في ..."

وتواصلت النشْرة ....


توقيت الحلم البلدي

تسللّتُ خلسة من فراشي، كيْ لا أزعج زوجتي الغارقة في بساطتها. حينها كانت الساعة تشير إلى السادسة فجرا .

جهّزتُ أغراض العمل، وقادتْني قدماي إلى المسْتودع البلدي .سحبْتُ عربتي من مكانها بلا مبالاة شديدة، ودون أنْ أعير أيّ عامل بلديّ اهتماما بحكم العادة، عدا " صباح الخيْر ".

فوانيس الشوارع، كانت لا تزال تمرّر شبقها على الأرْصفة الغارقة في سباتها . الشوارع مقفرة إلا من أشْباهي، ينحنون بقرف شديد على سلات المهملات المُتْخمة بالترف الحضاريّ .

أبْدأ عدّ ساعات العمل اليوميّ، حين أنتصب على رأس الشارع الريس الممتدّ أمامي. شارع يقسم القرْية إلى نصْفيْن متساويين. كلّ نصف عبارة عن هضبة تعضّ عليْها البيوت بأسْنانها كيْ لا تتدحْرج من فوق.

عليّ لأكمل مهمّتي أنْ أجمع حاويات كل هذا الشارع الذي يبتدئ بمنزل رئيس البلديّة، وينتهي بخربة أسْتاذ الفلسفة المتقاعد . كنت كلما أوشكتُ على الوصول إلى نهاية رأس الشارع، حيث خربة أستاذ الفلسفة أنتبه لليافطة التي تلتصق بجدار بيت الأسْتاذ، والذي يصرّ على بقائها رغم مطالبة البعض له بحذفها .

يافطة كتب عليها " جيفا .. " .

كنتُ أجهل معنى هذه التسْمية، غيْر أنّ أسْتاذ الفلسفة كان يصرّ على أنها اسْم قائد ثوريّ عالميّ. وأن أيادي غير بريئة عبثتْ بها وحرّفتها.

فيما يصرّ عمدة القرية على أن " جيفا " هو اسم معمّر فرنسيّ كان قد قدّم جليل الخدمات لهذه القرية.حيْث بنى  بها طاحونة ومزرعة شغّل فيها عشرات العائلات . ولولاه لبقيت هذه القرية لا تفقه من الفلاحة شيئا ، غيْر الحلفاء و " الكنترا " ... لم تكن هذه التسْميات تعنيني، كما لم تكن تعني شيئا للعديدين من أهل القرية الذين ثقل عبؤهم وصعبتْ عيشتهم .فهم يسمون الشارع بشارع " النجمة " اختصارا . لأن نجمة كبيرة من الرخام لا زالت تحلّي أحد جدران بيت يهوديّ عتيق.

دفعْتُ العربة أمامي، تسْتوقفني سلات المهملات  وقطط الشوارع . وقدْ ينفلت بيْن الإغفاءة والإنارة كلب نسيَ أنّ أهله اسْتغنوا عن خدماته بفعل غلاء المعيشة. أو لأنّ الكلاب عادة لم تعدْ تقوم بدورها الطبيعيّ في الحراسة. كم من سيّد كلّفه بمراقبة زوجته المصون، فتواطأ مع عشيقها . وكم من برْجوازيّ كلّفه بحراسة قصوره وسياراته، فتواطأ مع اللصوص .

... بيْن الرغبة والاستغناء، وجدتْ بعض الكلاب أنفسها خارج بوتقة الاعتراف .

أمام بيْت منتصب في الثراء والبذخ، أوقفتُ عربتي وانحنيْتُ على سلّة المهملات أرْفعها. اسْتقمْتُ قليلا، فوخزتْني عيون امرأة شقراء تطلّ من نافذة قصرها، كاشفة عنْ نصْفها الأعلى بشبق فوْضويّ.

لمْ أنْج من الدهشة، وأنا بيْن أكوام من اللحم البشريّ، أتمطّى على النهْد وعلى الشبق الممرّغ بالحرْمان والكبْت العاطفيّ. مع ذلك انتبهْتُ للفارق الطبقيّ الذي يفصل بيْننا. أنا العامل البلديّ الوسخ الغارق في القيء، وهي السيّدة الأرستقراطيّة الغارقة في البذخ والرفاهيّة. مع ذلك لجسدي المحروم النحيف قدرته الجنْسيّة التي لا يملكها زوجها المثقل بمشاغل الأعمال والقمار والخمرة التي تُرجعه وجه الفجر مترنحا ... قلتُ وجه الفجر، وها هو الفجر، فماذا أفعل الآن وهنا.

لمْ أنتبه لجسدي وهو يرْكض ويراوغ فوانيس الشوارع والظلال الممتدّة على الأرصفة، كأنّ سيّد البيْت يركض خلف اشْتباهي بمسدّس بوليسيّ، رغم الثمالة التي لم تعقه على الركض بشراسة الفاتك خلفي.

كنتُ أركض عاريا حين تفطّنتُ أنني نسيت بعض ملابسي في أرْوقة النزوة، ونسيت شرفي ممدّدا بيْن عرق ذروة اللذة، ورائحة الخيانة... نسيت عربة البلديّة تشاكسها قطط الشوارع والكلاب السائبة .

لم يعنيني من المسْألة عدا أنْ أدْرك خشبة بيْتي الآيل للسقوط. وكأنّ هذا الفردوس البائس سيحميني من انتهاك جسدي الخاوي من قبل من انتهكتُ عرضه.

ارْتطمْتُ بشبه الباب، لأجد جسدي مُلقى على بلاط غرْبتي . ضجّ العالم من حولي ... احترقتْ في داخلي المآذن، وتشتّتتْ أصواتها في داخلي ... لفّتْ العتْمة قناديلي ... فركتُ قرْح عيوني بحقارة الدمع المُغتاظ داخلي...

لم يسْتوعب المشْهد، لذلك شَبَك عشْره على رأسه ضاغطا على جمجمته علّه يتأكد من وجوده خارج دائرة الحلم... إنها زوجته ترْقد وَلْهَى في أحضان سيّدها

اسْتلّ سكينا من طيّات ثيابه بعنف وحقد لا مثيل لهما ... أحكم إمساك مقبض السكين... رفع يده بغلّ ليطعن الخيانة، فارْتطمتْ يده بالسرير .أفاق مذعورا يُمسك اللاشيء، وقد جفّ حلقه من ريقه ... ينادي أعماقه أنْ اسْكبوه ماء.

حين حمْلق في ساعته اليدويّة، كان الوقت قد فاته للالتحاق بالمسْتودع البلديّ .