الرواية التونسيّة

تجربة مخصيّة وخرساء

 

 

لمْ يلفتْ انتباهي منذ مدّة أيّ خبر له تأثيره على مسطّحات وعْيي الثقافي، عدا نتائج الاسْتفتاء الموسّع الذي قامت به وكالة أنباء الشعر العربي هذه الأيام حول الرواية العربيّة . فقد تصدّر الروائي السوري حنّا مينا المرتبة الأولى عربيا. وهذا متوقّعا، لما تثيره أعمال هذا الروائيّ من جدل أينما حلّتْ، ومن قدرة  على صيْد دهشة القارئ العربي . لما تتمتّع به هذه النصوص من ميكانيزمات أسْلوبيّة تدغدغ الوجدان وتضع الإصبع على الجرح .

ولنتذكّر معا " الياطر" و " المصابيح الزرق " و " الثلج يأتي من النافذة " و " المسْتنقع " .... إلخ من الأعمال التي تكرّس " عمليّة الكشْف التي يمارسها الكاتب والتي تعتمد على رؤية طبقيّة للواقع تمتلك غناها أكثر بنفْس درجة عمق الضرورة المهيْمنة على جنبات الواقع " (1)

وهذا الاستفتاء ألجم عديد الأصْوات التي تعتبر حنا مينا بوق دعاية لأطراف إيديولوجيّة. حتّى أنّ الروائي عبْد الرحمان مجيد الربيعي في أحد مقالاته كاد أنْ يجعل من حنا مينا جرذا لا علاقة له بالثقافة أصلا . في حين لم تتجاوز نصوص الربيعي الساحة الثقافيّة التونسيّة الراكدة أصلا، والورقات الثقافيّة الصفراء هنا وهناك .

وللتذكير ـ فقط ـ لستُ هنا مدافعا عن حنا مينا ولا عن غيْره، بل لا يحتاج مثله أصلا لمثل هذا التملّق . وإنما لا بدّ منْ وضْع ساحتنا الثقافيّة على طاولة التشْريح :

كثير من اللغط والفوضى والنرجسيّة، وكأننا حين نتحدّث يفترض بالعالم أنْ يمنح لكلّ روائي تونسيّ جائزة نوبل للآداب .

المثير للدهشة حقا أنّ الأسْماء الخمسة الأولى التي توّجَها ذلك الاسْتفتاء الجريء، لم نجد بينها أيّ روائيّ تونسيّ . فأظهرت النتائج ـ إضافة لحنا مينا من سوريا ـ كلّ من سليم بركات ( سوريا ) وعلاء الأسْواني ( مصر ) وعلي بدر ( العراق ) وتقاسم المرتبة الخامسة إبراهيم الكوني ( ليبيا ) مع خيْري الذهبي وحسن حميد .

أمّا المثير للشفقة، فإنّ الأسْماء الروائيّة التي تمّ الاستفتاء عليْها وعددها 28 روائيا، لم تتوفّر على أيّ روائيّ تونسيّ . مع العلم أنّ الاسْتفتاء شارك فيه 243 مثقفا وإعلاميا من مختلف الدول العربيّة والذين أجابوا عنْ سؤال :

من أبرز روائي عربيّ اليوم ؟

إذن، هل يجعلنا هذا الاسْتفتاء نتوقّف على حقيقة أنّ الروائيّ التونسيّ لمْ تتجاوز نصوصه شارع باريس بالعاصمة ؟

أمْ أنّ الروائيّ التونسيّ يكتب لطلبته وأصدقائه الذين همْ بالضرورة القراء والنقاد ؟

أمْ نقف على حقيقة أنّ الساحة الثقافيّة التونسيّة لا رواية بها عدا بعض النصوص التي يُكتَب عنها بالإيجار في الورقات الثقافيّة ؟

إذن أيْن صلاح الدين بوجاه والناصر التومي وعبد المجيد الحاج قاسم وإبراهيم الدرغوثي وحسن بن عثمان وحافظ محفوظ وعبد الجبار العشّ ومحمد الجابلي ...؟

فإذا كنا نتلمس جهدا تقنيا / أسلوبيا وذكاء في تناول الحدث الروائي لدى حسن بن عثمان وحافظ محفوظ ، فإنّ البقيّة راوحتْ نصوصها بين الكلاسيكيّة الفجّة  ( الناصر التومي ـ عبد الجبار العشّ .. ) والتجريب الأقرب إلى الإلغاز / الإبهام ( صلاح الدين بوجاه )

وذلك إما لإيهامنا بالتجذّر والوطنيّة والخصوصيّة ... وإما الضحك على ذقوننا بمصطلحات الحداثة والتجريب والعالميّة. فإذا برواياتهم  لا تجذّر ولا تجريب ولا هم يُجرّبون .

من جهة أخرى أليْس من حقّ هؤلاء أنْ يرفضوا مثل هذا الاسْتفتاء " المشبوه " و" المخاتل " و " المتطرف " ( يدخل في باب مقاومة الإرهاب الفكري ) ، لنسْمع كما اعْتدنا دائما سمفونيّة المؤامرة تعزف بين صفوف الروائيين التونسيين .

نعرف حساسيّة مثل هذا الاسْتفتاءات وتوظيفاتها، غيْر أنّ الاسْتفتاء ليْس دائما محلّ ريبة وتوظيف، على غرار الاسْتفتاء الفرنسي الشهير منذ سنتيْن، والذي صنّف إسرائيل كأكثر الدول خطرا على الأمن العالمي .

بالمثل تُصنَّف الرواية التونسيّة كأكثر الروايات خطرا على الإبداع الروائي العربي . حيْث كانت حاضرة حضورا جليا ومضحكا بالغياب.

    إذن عليْنا الانتباه بحقّ للإصدار الروائي التونسي وإعمال المشرط النقدي فيه إعمالا صارما ودقيقا، بعيدا عن السلطة المعرفيّة والتأثير الأكاديمي والسياسي.وعليْنا بالمثل أنْ لا نتجاهل مثل هذا الاسْتفتاء الذي أقصى عديد الأسماء الروائيّة التونسيّة المجلجلة على صفحات ورقاتنا الثقافيّة، وهي خواء إلا من النرجسة .

أمّا الحديث عن الجوائز المحليّة ( كومار مثلا ) أو العربيّة ( العويس أو سعاد الصباح ... ) فإنه مما لا يُسْمن ولا يغني من جوع، لطبيعة تلك المسابقات ولطبيعة المتقدّمين إليها .

ختاما، لا بدّ إذن من الإشارة إلى أنّ الرواية التونسيّة مخصيّة وخرساء ولا يُمكن تنظيرها مع الرواية المغربيّة والجزائريّة والسوريّة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إحــالات :

1 ـ محمد كامل الخطيب وعبد الرزاق عيد :عالم حنا مينا الروائي، دار الآداب بيروت، ط1، 1979، ص 120 .