الهولوكوست الجديد ضدّ العرب والمسلمين

قراءة في القانون الأمريكي لمعاداة الساميّة

تصدير:

" المبدأ أنّ الولايات المتحدة تملك الحقّ في الإرهاب ، والحق يستخدمه من يشتغلون وكلاء لها، ولا يهم من هم . وبما أنّ إسرائيل وكيل للولايات المتحدة، لذلك تملك حق الإرهاب "

ـ نعوم تشومسكي ـ

هل من الممكن أن نذرف دمعة واحدة على اليهود الذين أُوقدتْ بهم أفران الحكومة النازيّة والعنصريّة ؟ مثلما ذرفنا دموعا على ضحايا 11 سبتمبر ؟

ثمّ من جعل تلك الحكومات نازيّة وعنصريّة ؟ وهل هيّ كذلك فعلا ؟ أليست تلك اليافطات التي ألصقت بالنظام الألماني وليدة من يملك حقّ أن يقرر ويحاكِم ؟ بالمثل حوكمت القيادات في الشيلي وكوبا والعراق وكوريا الشمالية وايطاليا " الفاشيّة " وايران ... وغيرها .

نحن إذن داخل علاقات الإنتاج(الاقتصادي) والنتاج(الثقافي) الميكانيكي.

 *Mécanique social organique  Social  

لذلك نحن نمثل تلك السوق التي تروج فيها وبها  المفاهيم التي تنتجها علاقات الإنتاج المركبة .

إن الشعوب العربة لا زالت تكرر إنتاج الخطاب " الماضوي " مستعينة بأوامر تلك الحكومات، تحت إمرة الأسلحة الاقتصادية والديون والقرارات التي تصدر عن المنظمات الدوليّة . فهل تصدّقون فعلا أنّ هيكلا أمميا بحجم منظمة الأمم المتحدة يعجز عن تنظيم مؤتمرات وندوات لتحديد لمفاهيم ؟ هل فعلا عجزت هذه المنظمة عن تحديد مفهوم 

" الإرهاب " ؟ رغم أنه من أيسر المفاهيم التي وقع إنتاجها وتداولها في علاقة بمفاهيم

 " العنف " و " الحرب " و " التحرر " و " النضال " . أن يبقى مفهوم " الإرهاب " هلاميا وغير مقنن وقابلا للتمطيط والنقض والمراجعة ...

أن يبقى كذلك يعني أن تبقى تعلات ومبررات التدخل السافر في قرارات الشعوب وشؤونها ومصائرها من قبل الولايات المتحدة التي ناقضت قوانين دستورها المنقح سنة 1897 المعروف باسم " إعلان الحقوق " وجاء فيه على لسان " توماس جيفرسون " سنة 1890 أن : " الحكم الذاتي حق لكل فرد ولكل جماعة من الناس " (1 )

كما تناقض بالمثل ما ذهب إليه " روزفلت " في مؤتمر " الميثاق الأطلسي " سنة 1941 اثر نهاية لحرب العالميّة الأولى : فالميثاق مع " حق الشعوب كافة في اختيار نظام الحكم الذي يريدون أن يعيشوا في ظله " . دون أن ننسى مناقضة هذه الانتهاكات لكل قوانين وقرارات الشرعية الدولية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

ففي إطار مفاهيم " العنف " و " القانون " و " الحق " .. تخول الولايات المتحدة لنفسها التدخل في الشؤون الداخلية للدول وشن الحروب وانتهاك سيادة الشعوب . ففي حين أن العنف " كل مبادرة تتدخل بصورة خطرة في حرية الآخر وتحاول أن تحرمه حرية التفكير والرأي والتقدير، وتنتهي خصوصا بتحويل الآخر إلى وسيلة أو أداة من مشروع يمتصّه من دون أن يعامل كعضو حرّ وكفء " (2) ففي حين أن العنف كذلك فإن الولايات المتحدة وابنتها الصهيونية تصنعان مفارقة غريبة تمكنهما من الوجود " شرعا " داخل المعقولية الدولية . فهما تنتجان العنف عند الآخر، أي لدى الفئات والأقليات والعصابات داخل دولة بعينها تكون مشروع الإسقاط القادم، ثم تنتجان عنفا بتعلة الردّ على العنف . فعنفها إذن ردّ فعل، أي هو عنف مضاد بمثل ما أنتجت من حركات موالية : دينية وحزبية وانفصاليّة ... كتنظيم القاعدة وبعض الفصائل الكردية والأحزاب العربية المعارضة ( بعضها ) والمليشيات في جنوب القارة الأمريكية والافريقية .

نحن الآن أمام الحرج الذي وصل إليه " ماكس فيبر " في محاولته تحديد مفهوم الدولة باعتبار أنها " حقّ الاستئثار بممارسة العنف المادي المشروع " (3)، لنجد عقلانيتها هذه قد أدركت المدخل الضروري للقانون باعتبار أنه " ما هو مشروع " .

فالدولة الأمريكية تستند إلى قانون ثابت تحركه وفق مصالحها متكئة على مقولة " حقيقة من هو أقوى دائما هي الأجمل "، وغم أنها لا تجد حرجا في خرق تلك القوانين الدولية ما دامت هي الأقوى.

إن ما وقع إنتاجه من حقوق لفائدة الفرد والمجتمعات، تحول مساره وصار يخضع لقانون العرض والطلب، أي مفهوم " المصلحة " . فالحضارة المعاصرة التي لا زالت قائمة على القمع والسيطرة وكبت الحريات... همشت  "الحق ".

" فالإنسان ذي البعد الواحد "  حســـب  " ماركيز " هو الذي " استغنى عن الحرية بوهم الحرية، وعن الحق خوفا من العنف " (4) فالحق المفترض لصالح الحياة والحرية والمساواة والعدل والديمقراطية، تَحول وفْق ميكانيزمات متعددة لصالح " كرازماتية دول " . إنها الولايات المتحدة وحقها في التدخل العسكري وإسقاط الحكومات وفرض الشروط دائما لصالح وكيلها الأهم (وليس الأوحد ) الدولة العبرية .

فمنذ حرب حزيران 1967 التي حطمت فيها إسرائيل القوات العربية، تأكد بما لا يدع مجالا للشك الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل لصالح الولايات المتحدة . طالما أن الأولى مستهدفة في وجودها، في منطقة تنبض بالنعرة القومية والحركات الإسلامية " فكانت حرب العام 1967 خطوة كبيرة إلى الأمام، عندما أظهرت إسرائيل قوتها وقدرتها على التعاطي مع القوميين الراديكاليين في العالم الثالث " (5)  لذلك ــ وربما قبل ذلك بكثير ــ بدأ الدعم اللوجستي ( عسكريا وتقنيا وماليا ) للكيان الصهيوني باعتباره قاعدة خلفية للمصالح الأمريكية في أغنى منطقة بالذهب الأسود وأكثرها أهمية إستراتيجية . ولم تتوان الولايات المتحدة عن رفع حق الفيتو ضد كل القرارات الأممية المنددة باسرائل والداعية لها بتطبيق الشرعية الدولية .

11 سبتمبر ... المنعرَج :

    مثل هذا الحدث بؤرة نوعية لسحب الأحداث إلى الخارج .. أي لجعل التفاعلات والصراعات عالية ومباشراتية، وليست مخابراتية فقط . ولم يخف على أحد ضلوع المخابرات الأمريكية  في هذا الحدث ( 11 سبتمبر ) رغم أن البيادق التي نفذت، ربما تكون " إسلامية " أو " إسلاموية " أو " إرهابية " أو " أصولية " أو ...

فكل ما كان يحف بالحدث يوحي بأن أطرافا خفية ساهمت في وقوع الحدث وساهمت أيضا في إبراز " الإرهاب " كخطر يجب مقاومته والقضاء عليه وتتبعه، و ما" الإرهاب " هنا إلا الإسلام والعرب في مرحلة ثانية، أو ربما هما معا في خانة واحدة.

فقد أثبتت الأحداث التاريخية المتتابعة أن العرب كلما يئسوا من حكوماتهم ومن الحصول على حقوقهم وحرياتهم السياسية والمدنية .. ينزاحون إلى الخطاب الماضوي بتياراته الإسلامية المتعددة .

إذن مثل 11 سبتمبر الذريعة الأجمل للولايات المتحدة لدفع كلابها المدربة وجنودها وطائراتها العسكرية وبوارجها وعملائها لغزو العراق تمهيدا لنشر مشروع " الشرق الأوسط الكبير " في مراحل تالية ومتتالية. والأغرب أن الحكومات العربية والعملاء والمثقفين تعمدوا نسيان أنّ المشروع مطروح منذ 1941.. نعم منذ ذلك التاريخ من شهر جانفي .فقد صرح " وايزمان " أمام مجموعة من السياسيين الانجليز : " إن المسافات في أرض إسرائيل أقصر، فهم ( اليهود ) سينقلون العرب فقط إلى العراق أو شرق الأردن " (6) ودعم هذا القول " إسحاق غرينباوم " سنة 1948 والذي أصبح وزيرا للداخلية في دولة إسرائيل : " هناك مصلحة عربية في تأييد الترنسفير ** وهي تكمن في زيادة سكان العراق بالمزيد من العرب " (7)  وما دام العراق قد صار دولة قائمة الذات ومهابة عسكريا وباعتباره أحد أهم معاقل القوميين .. فإنه لا بدّ من خلق الظروف الدراماتيكية/ المصطنعة لتحقيق هذا الحلم الذي طرح منذ 1948 حيث دعا" غرينباوم " : " بالإمكان مثلا أن نخلق بصورة اصطناعية ظروفا في العراق تجذب العرب من فلسطين للهجرة إلى هناك، فلا أرى في ذلك أي إثم أو جريمة " (8)

      لا حظوا كيف يملك اليهود تلك القدرة الغريبة على لتخطيط والثبات على " المبدأ "، وهو يشابه ما يتوفر عليه العرب من غباء وقدرة على دسّ الرأس في التراب .

إن تداعيات 11 سبتمبر كانت أخطر من مجرد غضب دولة عظمى على دول أضعف .. وإنما تجاوز ذلك إلى عودة الاستعمار التقليدي بعد ما كنا غير منزعجين من أشكال الاستعمار الأخرى. وما ينجر عن عودة هذا الاستعمار من إعادة خلق تقسيمات جغراسياسية (العراق مثلا ) وإسقاط حكومات ( العراق ـ أفغانستان ـ في انتظار سوريا وإيران ..) وبناء دول أخرى موالية ، تنضاف " للوكلاء " والتابعين للولايات المتحدة .

فالعراق من أهم الدول القومية الراديكالية التي تمثل خطرا على إسرائيل وعلى مشروعها الصهيوني، دون أن ننسى ظهور بوادر أطماع عراقية للبحث عن مجال حيوي يمكنه من مدّ نفوذه على أهم مخزون استراتيجي للنفط في العالم من خلال غزوه للكويت. وبسقوط العراق تجد سوريا نفسها بين فكي كماشة الجيوش الأمريكية المتمترسة في العراق، والكيان الإسرائيلي، مع وجود دولة هشة أمنيا وسياسيا تتمثل في لبنان .

وهو ما سيجعل الهدف الموالي للأطماع الاستعمارية " الحداثية " هي سوريا . وستترك ايران كآخر نقطة في جدول الأعمال ، باعتبار قوتها الإيديولوجية ووجود عديد الأطراف الموالية لها في المنطقة ، كحزب الله والفصائل الشيعية في كامل المنطقة ،دون أن ننسى امتدادها في العراق . في الأثناء تمارس الحكومة الأمريكية بدفع من اللوبي الصهيوني وشركات النفط والسلاح ضغوطا على الحكومات العربية الأخرى لإملاء شروطها الاقتصادية والسياسية والتعليمية ...

كل هذه الأحداث مُنْضافة إليها تنازلات مجحفة للمفاوضين الفلسطينيين حول قضايا اللاجئين والمستوطنات والأمن والحدود بدفع من بعض الحكومات العربية .. ساهمت في تفشّي الغضب الشعبي العام وازدادت نقمة المثقف والنخب السياسيّة التقدمية ، التي لم تستطع حتما أن تغيّر مواقف حكوماتها ولو قليلا، فصبّت جام غضبها على الحكومات الأمريكية المتتالية وعلى إسرائيل والقوى الإمبريالية، مما زاد في تعميق الوعي بالقضيّة الفلسطينيّة والقضايا العربية والمخاطر التي تحدق " بالأمة ". خاصة وأنّ المثقف العربي بات يتوجّه إلى الآخر الغربي عبر وسائل الإعلام العربية والغربية ( يمكن مثلا دراسة تأثير قناة الجزيرة القطرية على تفتح وعي المثقف العربي ) معولا على تفهم المثقف/ الآخر، وعلى جيل جديد من الإعلاميين المتشبعين بالمبادئ الحقوقية . وإن كان البعض من الغربيين دافعوا عن القضايا العربية أكثر من العرب أنفسهم .  مما ولّد بذرة وعي في المجتمعات الغربية، وصارت إسرائيل ــ تبعا لذلك ــ تُصنّف كأكثر الدول إرهابا وأكثرها خطرا على الأمن العالمي، في أكثر استفتاء مثير للجدل في فرنسا .

 

قانون حماية اسرائيل :

   في الدورة 108 لانعقاده وفي جلسته الثانية، وافق الكونغرس الأمريكي على قانون حماية إسرائيل لعام 2004 . ويبدو جليا في حيثيات هذا الإصدار التركيز على الصهيونية باعتبارها من يمثّل " الساميّة " . وجاء هذا القانون مُتضمنا لستّ مواد يمكن سردها كالتالي :

المادة الأولى:

    " يمكن أن نطلق على هذا القانون، قانون لتعقب السامية عالميا لعام 2004 " (9)

 

المادة الثانية: [ حيثيات إصدار هذا القانون]

     وفيه سرد لبعض الأحداث التاريخية التي وقعت ضدّ أهداف دينية أو بشرية يهودية، انطلاقا من سنة 2002. حيث تمّت إذاعة مسلسل " فارس بلا جواد "، مضافة له بعض الوقائع الأخرى والتي سنأتي على ذكرها لاحقا. 

 

المادة الثالثة:

     وفيها أن الولايات المتحدة يجب أن : " توثّق وتتابع عن كثب القوانين والحركات المعادية للسامية في أنحاء العالم " (10)بمساعدة المنظمات الدولية، مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وحتى سفارات الولايات المتحدة في كافة أنحاء العالم .

المادة الرابعة:

      وفيها أن الخارجية الأمريكية، مطالبة بأن تقدم في أجل أقصاه 15 نوفمبر من كل سنة التقارير اللازمة عن الأفعال وردود الأفعال، عن الأعمال المعادية للسامية في كل أنحاء العالم.

هذه التقارير تقدم إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وكذلك إلى لجنة العلاقات الدولية في البرلمان. وهذا التاريخ ( 15 نوفمبر ) سيكون تاريخا سنويا لتقديم التقارير والنشرات عن الأعمال. ووفقها يقع تحديد المعونات وتعديلها وحذفها، وكذلك شكل العلاقات الخارجية مع الدول. لذلك وقع تعديل قانون المساعدات الخارجية لسنة 1961 .

المادة الخامسة:

      وتتناول شكل المكتب المخصص لمراقبة معاداة السامية، وفيه: تأسيس المكتب ـــ رئاسة المكتب ـــ تعيين رئيس المكتب ـــ أهداف المكتب ـــ الاستشارات .

ومن أهداف المكتب الموجود بمقر وزارة الخارجية، ويعين رئيسه وزير الخارجية:

" مراقبة ومكافحة الأفعال المعادية للسامية، وكذلك التحريض المعادي للسامية الذي يظهر في الدول الأجنبية " (11)

المادة السادسة:

     وفي تعديل لبعض القوانين واللوائح الأمريكية، لتتماشى مع القانون الجديد . خاصة فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية ــ وطبعا ــ بوضع الدول على لائحة الدول الراعية للإرهاب.

      إن هذا القانون فيه من الخطورة ما يخول للولايات المتحدة " الحق " في تتبع وإيقاف وملاحقة أي مواطن أو مبدع في أي مكان من العالم. في المطارات والشوارع وحتى في دولهم الأصلية، ومحاكمته. تساعدها على ذلك المنظمات الأوروبية والدولية وبعض الحكومات العربية التي بدأت في تطبيق لوائح هذا الدستور، خاصة على المثقفين.

وكلنا سمع بالضجة التي أحدثها مسلسل " فارس بلا جواد " و " الشتات " وتهربت أغلب القنوات العربية من بثهما.

مع العلم أن هذا القانون لا يستثني الحكومات والدول، لأنه يدون أفعالها وأقوالها ــ وكذلك ــ ردود أفعالها على الأفعال والأقوال المعادية للسامية التي تحدث على أرضها . هذا طبعا تمهيدا لعرض هذا المشروع ــ لاحقا ــ على المنظمات الدولية لتبنيه، ولما لا يصبح قانونا دوليا إجباريا يعاقب على مخالفته وإمكانية ملاحقته كمجرم حرب أو إسقاط الحكومة الداعية لمعاداة السامية . يكون ذلك بعد أن تُجبر الدول ــ ومنها العربية بالأساس ــ على تبنيه، بتعلة أنها تصبّ في خانة حقوق الإنسان والمعتقد وحوارات الحضارات . مع العلم أن الإنسان " محل الحماية، هو الإنسان مجردا من فكرة انتمائه لجنسية من الجنسيات أو لجنس من الأجناس أو لحالة من الحالات " (12)

    غير أن هذا القانون جاء حاميا لجنسية صهيونية ودين يهودي، وإن كانت أغلب الشعوب العربية ( وهي محل حديثنا الآن ) ليس لها ذلك العداء التاريخي لليهودية باعتبارها من الديانات المُنزّلة، ولا مع المسيحية كذلك. غير أن الخلط الحاصل أمام دراماتيكية الأحداث الواقعة وامتزاج كل ما حصل ( الحروب الصليبية ) ويحصل في المنطقة وفي فلسطين ... جعل اليهودية صنو النازيّة .

ولنلاحظ أنّ قانون معاداة السامية جاء تحديدا لحماية الدولة الصهيونية، وليس الدين اليهودي، ولا أي ديانة أخرى أو شعب آخر أو أقلية ما ( الأكراد ــ الدرز ــ اليزيدية ــ الهنود لحمر ... )وكأن السامية لا تعني فيما تعنيه المسلمين والمسيحيين . فلم يعد الآن هناك مجال لمعاداة السامية، لأن أمريكا ستكون متيقظة.

هكذا صرح جورج بوش الإبن أثناء توقيعه على القانون سيء الذكر .

إطلالة على بعض البنود :

     جاء في النقطة الثانية من المادة الثانية من القانون : " صرّح رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد في " بوتراجيا " بماليزيا في 16 أكتوبر، أمام 57 من القادة الوطنيين المجتمعين في مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي أن اليهود يحكمون العالم بالوكالة " (13)

وقال أن 3.1 مليار مسلم " لا يمكن هزيمتهم بحفنة ملايين من اليهود "(14).

      لاحظوا كيف يمكن أن يحاكم أحدهم بتهمة الإصداح بالحقيقة، في ظل عالم يضج بالشعارات الحقوقية . وكأن ما يصدر يوميا من أدبيات وشعارات ضد العرب والمسلمين لا علاقة له أصلا بمعاداة السامية ( الصور المسيئة للرسول محمد أو تصريحات بابا الفاتيكان أو .. )

أليس غريبا أن تعمد الولايات المتحدة في هذا القانون إلى وضع القول على نفس سدّة الفعل ؟ بمعنى أن ما تأتيه إسرائيل من أفعال وحشية ضدّ الإنسانية والحياة.. هي أفعال موازية تماما للقول الصادر عن المثقفين، وحتى المواطنين العاديين. فما الذي يعنيه قول مهاتير محمد أمام غزو لبنان وعشرات المجازر في فلسطين واستهداف المدنيين واستعمال الأسلحة المحرمة دوليا و..و.. إضافة للأعمال اللاإنساتية والعنصرية التي تمارس يوميا من حصار واغتصاب للنساء والأراضي والممتلكات ..

كما ورد بنفس النقطة الثانية من القانون ما يلي:

 " في سانت بترسبورغ بروسيا قام مخربون في لخامس عشر من فبراير 2004 ، بانتهاك حرمة نحو خمسين من المقابر اليهودية ورسم الصليب المعقوف على شواهد القبور وحفر الشعارات المعادية للسامية " (15)

وقد تكرر هذا التصرف في " تورنتو " بكندا . وقد أفرده القانون بنقطة خاصة . لنفهم تبعا لذلك مدى الكراهية التي أصبح يكنها العالم لليهود ولإسرائيل، من كندا إلى روسيا و من جنوب إفريقيا إلى هولندا .

ثم أي حرج في رسم الصليب المعقوف على شواهد القبور اليهودية ؟ أليست النازية حليفة الصهيونية ؟ لم يعد خافيا على أحد اليوم، أن الصهيونية موّلت الأحزاب النازية التي خدمت مصالحها بامتياز، ولم تكن فكرة المحارق وغرف الغاز غير نكت تُعرّض للتنكيل كل من يشك في صحتها من " دافيد ايرفينج " إلى الكاتب النمساوي " جيرو هونسيك " الذي حُكم عليه بالسجن 18 شهرا بسبب المقالات التي كان ينشرها بمجلة " هيلت " والتي نفى فيهـا وجـود غـرف الغـاز فـي معسكرات الاعتقال النازيـة، هـذا إضافة للمؤرخ الفرنسـي " هنري روك " الذي مُنع من مناقشة رسالته في الدكتوراه في جامعة " نانت" سنة 1977 بسبب نفيه للمحرقة، دون أن ننسى طبعا " روجي غارودي ".

لا أحد بإمكانه أن ينفي حصول حالات تعذيب وإعدام وقتل في المعتقلات النازية، بمثل ما حصل ويحصل في المعتقلات الأمريكية ( باغراوند ـ أبو غريب ـ غوانتانامو ..) والصهيونية، وفي كل الدول التي خاضت وتخوض حروبا. مع ذلك لا يمكن القبول بذلك الرقم المهول من اليهود الذين قضوا نحبهم في المعتقلات،وليس غرف الغاز ولا المحارق .

وقد أثبت " راسينيه " بالمثل، أن المحارق كانت موجودة في المعسكرات النازية، وكان وجودها بغاية حرق جثث الجنود والمعتقَلين، مخافة الأوبئة المنتشرة عصرئذ . وبالمثل كانت هذه المحارق منتشرة في كل دول شمال أوربا التي تعتنق البروتستانتية . أما غرف الغاز فكانت موجودة للغرض نفسه، بمعنى أن تُدخَل كل ملابس وأدوات الجنود العائدين من المعارك داخلها لتطهيرها .

   إن لأهم من كل ذلك أن الحركة الصهيونية لم يكن يعنيها لا اليهود ولا معتنق اليهودية، بقدر ما كان يعنيها أرض فلسطين. لذلك دخلت في صفقات مع الحركات النازية نفسها . فقد ثبت أن النازيين تسلموا عام 1929 مبلغ 10 ملايين دولار من بنك " مندلسون اندكومباني " الصهيوني بأمستردام، كما تلقى النازيون أيضا عام 1931 مبلغ 15 مليون دولار . هذا وتم سنة 1933 إرسال مبلغ 126 مليون دولار إلى هتلر بمجرد وصوله إلى السلطة  (16).

     أما النقطة الثالثة من المادة الثانية، فقط جاءت راصدة لأفعال العرب والمسلمين المعادية للسامية : " لوحظ أن الأنماط الحديثة والقديمة المعادية للسامية في ازدياد مستمر من خلال جهات النشر الحكومية في مصر ودول عربية أخرى " (17)

      إننا الآن أمام " النظام العالمي الجديد " في أهم خصوصياته الثقافية والسياسية . إننا بحق أمام تراجع مخجل عن المبادئ والقيم الإنسانية، وعن الحقوق التي خلقتها تراكمات متنوعة ومختلفة، وذهب ضحيتها الملايين من المناضلين والحقوقيين .

اليوم مطالبون بالتنازل عن حرية الكلام وحرية الصحافة وحرية التنقل وحريات عديدة أخرى ...

لقد صار بالإمكان لأجهزة القمع والرقابة والمراقبة، أن تضع تحت المجهر أي مواطن أو جهة أو جمعية .. وتراقب الأموال والمواقف والتحركات وكل ما هو معاد للسامية / الصهيونية .

أما الأفعال المعادية للسامية فقد حددها القانون الأمريكي سيء الذكر كالتالي : " أعمال العنف البدني ضد أو التحرش باليهود وأعمال العنف والتخريب لمؤسسات المجتمع اليهودي كالمدارس والمعابد والمقابر التي حدثت في كل بلد " (18)بذلك من يرمي حجرا على قوات الاحتلال العنصرية متهم بمعاداته للسامية . فما بالك بحركات المقاومة الإسلامية ( حماس ـ الجهاد ـ حزب الله .. ) وهي كلها مصنّفة في القائمة الأمريكية للحركات الإرهابية . ولا ينفع حتى وصول أحدها إلى السلطة بإجماع شعبها ( حماس ).

 ولو قَدّر لنا اليوم أن نُصدر قانونا مُشابها لهذا، ومعاديا للسامية أيضا، فإنه سيكون متضمنا لأعمال وجهت ضدنا بعيدة كل البعد عن العنف البدني والتحرش وتخريب المؤسسات والمساجد والمنازل .. ببساطة لأن كل ما موجه ضد كيانات هذه الشعوب العربية والإسلامية لا يقل عن الاحتلال والقمع وإسقاط الحكومات وتغيير الحدود واغتصاب الأراضي وطرد الشعوب من أراضيها .

فماذا يسمى طرد أهالي 531 مدينة وقرية فلسطينية من أراضيهم وديارهم سنة 1948 ؟

ماذا يسمى المذابح الـــ 17 التي حصلت قبل الانتداب، وتضاعف عددها بعد ذلك ؟

ماذا يسمى احتلال لبنان سنة 1982 وقمع شعبه والتنكيل بالأبرياء ؟

ماذا يسمى قصف القرى والمخيمات بالنابالم والأسلحة المحرمة دوليا ؟

ماذا يسمى الإجرام الأمريكي في أفغانستان والصومال والعراق والسودان وليبيا و..و..

لن تكفي الوثائق ولا الملفات لرصد الإجرام الصهيوني المدعوم بالدولة الراعية للإرهاب وعملائها من القادة العرب البيادق .

جيوش موزعة في البحار والمحيطات وفي القواعد العسكرية بالدول العربية .. السنا اليوم في " غيتوات " يحيط بنا اليهود من جهة والجيوش الأمريكية من جهة أخرى وحكوماتنا المتخلفة والمستكينة بقية الجهات ... فإلى أين المفرّ ؟؟

    إذن، أي غباء هذا الذي تطالبون به " الغفران " للألمان على مجازر لم يرتكبوها ؟؟ وهل أن الآلاف الذين قضوا نحبهم ( إن كان صحيحا ) يساوي ما حصدته الآليات الإسرائيلية والأمريكية في فلسطين والعراق ؟؟

فهل سيعتذر الأمريكان عن المجازر التي ارتكبوها في حق " هيروشيما" و " ناجازاكي " باليابان ؟ وقصفها لليبيا ؟ واحتلالها للصومال ؟ وتخريبها للعراق ؟ ودخولها لبنان ؟ و ..

    بالطبع لا .. طالما أن من يُقتلون ويموتون ليسوا سوى حيوانات وفقراء وهمّج وبربر ..لا يستحقون الحياة ، إنهم يُفرّخون الإرهاب والعنف .

ألم يقل موشي ديان قبل 35 عاما من الآن  : "إن على الفلسطينيين أن يعيشوا كالكلاب، ومن لا يعجبه يرحل، وسنرى نتيجة هذه العملية "(19)

آخــر مـا يقـال :

    تذكروا جيدا أن هذا القانون المعادي للسامية، قانون يدعم " النظام العالمي الجديد / النظام الاستعماري الجديد " وكذلك " مشروع الشرق الأوسط الجديد / الشرق الأوسط الذليل " .... إلخ من اليافطات الإمبريالية الحداثية، و بالتالي فهو يمهد للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ، تحسبا لنهوض القطب الأوروبي والمارد الصيني وكذلك لقطع الطريق على الحركات الإسلامية التي بدأت تجد طريقها إلى الجماهير المسحوقة ز

فالولايات المتحدة لا يمكن أن تتخلى عن حليفتها الأولى/ إسرائيل .. فهي حديقتها الخلفية وثكنتها وعينها ويدها الممتدة إلى أعناق المتمرّدين والمناهضين والرفضاويين ...

" تذكروا أخيرا أن ما تفعله إسرائيل ، تفعله بموافقة الولايات المتحدة التي تقدم المساعدة والدعم إلى جانب الموافقة في العادة " (20)

فهل يستوعب العرب الدرس ؟ أم ينظرون تطبيق كل المشاريع الإمبريالية والاستعمارية على مؤخراتنا ورقابنا  ؟

الهوامش :

* المجتمع الميكانيكي، يعتمد على نظام بدائي وبسيط أثناء التخصص في العمل ، عكس المجتمع            المركب الذي يعتمد على نظام معقد ومنظم للعمل .

1 ـ علي بن حسين المحجوبي، حقوق الإنسان بين النظرية والواقع، مجلة الفكر، العدد4، المجلد 31ـ       أفريل 2003، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، ص 19.

2 ـ عبد الرحمان التليلي، الحق كإقصاء للعنف، نفس المصدر السابق، ص75 ز

3 ـ نفس المصدر السابق، ص 75 .

4 ـ نفس المصدر السابق، ص 81 .

5 ـ نعوم تشومسكي، الانتفاضة ـ أمريكا ـ إسرائيل والعرب ، ترجمة الكرمل، مجلة الكرمل، مؤسسة         الكرمل الثقافية، العدد 67 ـ ربيع 2001 ، ص 177 .

6 ـ بيني موريس،ملاحظات حول التاريخ الصهيوني، ترجمة: أنطون شلحت، نفس المصدر السابق،ص      196 .

7 ـ  نفس المصدر السابق ، ص 201 .

** الترنسفير : هو الطرد الجماعي والقسري لمجموعة من السكان، عادة ما يكونون من السكان            الأصليين، وقد نفّذها الكيان الصهيوني ضدّ المواطنين الفلسطينيين .

8 ـ نفس المصدر السابق، ص 2001 .

9 ـ القانون الأمريكي لحماية إسرائيل، ترجمة: محمد شعير، جريدة أخبار الأدب المصرية، العدد 594 ـ     الأحد 28 نوفمبر 2004 ، ص 6 .

10 ـ نفس المصدر السابق .

11 ـ نفس المصدر السابق .

12 ـ د. خيري الكباشي،الحماية الجنائية لحقوق الإنسان، مجلة عالم الفكر، العدد 4،المجلد    31 ـ            أفريل 2004 ، ص 214 .     

13 و 14 ـ القانون الأمريكي لحماية إسرائيل، نفس المصدر السابق .

15 ـ نفس المصدر السابق .

16 ـ أنظر مقال: عرفة عبده علي، أسطورة الهولوكوست ... تعاون مشبوه بين الصهيونية والنازية،        مجلة عالم المعرفة، العدد 498 ـ ماي 2000 .

17 ـ القانون الأمريكي لحماية إسرائيل، نفس المصدر السابق .

18 ـ نفس المصدر السابق .

19 ـ نعوم تشومسكي ، نفس المصدر السابق .

20 ـ نفس المصدر السابق .


حديث عن الحرية والمجتمع المدني

 

في البدء كانت الكلمة ... كان الكلام ... وكان اللسان ...

واللسان ليس كما شاع تعريفه بيننا على أنه تلك القطعة من اللحم الزائدة التي تلغّ في الأفواه.

فاللسان هو مجموع العلامات والروابط المكوّنة للكلام . فهو متعال عن الأفراد لأنه من إنتاج المجتمع . في حين أنّ الكلام هوّ الاستعمال الفردي للسان والمتمثّل في اختيار الفرد لمجموعة من العناصر، وربطها وفق علامات فكريّة واجتماعيّة ونفسيّة .

فإذا سلّمنا بالأهميّة الكبرى التي للدراسات اللسانيّة المعاصرة في الكشف عن طبيعة اللغة واللسان، وتعيين وظائفهما بما جعل هذا التوجّه الجديد مؤشرا على حدوث ثورة كوبارنيكيّة في معالجة مسألة اللغة ... فإنه لا يترتّب عن هذا التسليم الإقرار بأنّ اللسانيات ( علم اللغة ) قد تمكّنت فعلا من اسْتنفاذ ما يجب أنْ يقال عن هذا الذي أعتبر به الإنسان إنسانا، منذ أنْ أعلن فلاسفة الإغريق عن حقيقة الإنسان باعتباره كائن اللوغوس ( كائن عاقل ) . بمعنى أنّ الإنسان هوّ الكائن الوحيد المتمتّع بصفته تلك. حتّى وإنْ أثبتت اللسانيات أنّ بعض الحيوانات التي تعيش في مجموعات لها لغتها الخاصة ( النمل .. النحل.. )

ولعلّ المنعطف الذي شكّلته البحوث اللسانيّة السوساريّة وما بعد السوساريّة، والذي سمح لها بإنتاج قول مخصّص على الألسن البشريّة، قد كان في نفس الوقت منطلقا لمحاولة البلوغ بهذا القول إلى مستوى الحقيقة العلميّة .

وباتّخاذ موقف نقديّ إزاء بعض مبادئه النظريّة، وصياغته الإبستمولوجيّة إلى ما صاحبه من صمت وما لازمه من آليات إقصاء واسْتبعاد وتهميش .

وإذا مثّلت اللسانيات دعامة من دعائم الإنثروبولوجيا الجديدة، فإنّ المشروع الأنثروبولوجي بما هوّ اسْتنطاق للواقع الإنساني واسْتشراف لمعالم رؤية جديدة للإنسان، فإنه مرتبط بالمساءلة الفلسفيّة التي انطلقتْ مع اللحظة الأفلاطونيّة في محاورة " كراثيل " .

وتواصلتْ حاضرة حضورا ملحّا فــي كتابات " هيدغيــر " الفلسفيّة وبحوث

" فتجنشتاين "، وتحاليل فلاسفة اللغة. وقد تسلّحوا بعلم المنطق المعاصر في محاولة اقتحام حصون اللغة الحصينة .

كما تَبيّن أنّ موضوع اللغة لا يختصّ به اللسانيّ ولا المنطقيّ ولا الفيلسوف... بل تزايد الوعي بأهمّية هذا الموضوع وبضرورة معرفته معرفة دقيقة، والتي تعمّق الإحساس بأنّ الفلسفة كرؤية متجدّدة للعالم لها شرعيّتها في الكشف عن مفاجأة اللغة، وفي إقامة ضرب مـن ضروب الجدليّة بين ما تُقيمه الدراسات الموضوعيّة ( الألسنيّة ) وما بإمكان الفلاسفة الاهتداء إليه، بالبحث في الكلمات وبالكلمات .

... هذا بغرض الكشف عن علاقة اللغة بالذات وعلاقة الذات بالآخر وبالعالم .

ولاحظوا كيف أنّ اللسانيات والفلاسفة وحتّى الكتاب والشعراء، ركّزوا على اللغة أكثر من " اللسان "، باعتبار أنّ اللسان هوّ صناعة منظومة اجتماعية شاسعة وممتدّة في المكان والزمان .

أمّا الكلام فهو الاستعمال الفردي للسان.. استعمال تحضر فيه الذات المتكلّمة وذات / ذوات المخاطب والعالم المادي والرمزي .

فالحديث عن اللسان هنا، حديث عن العلاقات المنطقيّة والاعتباطية التي تربط الدوال بالمدلولات . كما يتعلّق الأمر بالعمر الكرونولوجي للسان والظواهر الاجتماعية والسياسيّة المؤثّرة في اللغة واللسان .

ومن ضمن هذه الظواهر الاجتماعية والسياسيّة، مفهوم " الحريّة ".

فالكلام باعتباره الاستعمال الفرديّ للسان، يحتاج إلى هامش من الاستقلالية والحريّة، والتي تسْمح له بالتعبير عن ذاته المتكلّمة كما تريد وكيفما تريد وأينما تريد. فلا يمكن ـ حتما ـ الحديث عن تعبير حقيقي عن الذات المتكلّمة، إلا إذا تحقّقت لها تلك الحريّة المطلقة لتقول ما تشاء .

لكنّ مفهوم الحريّة مفهوم من الصعب تحديده، وإنْ توفّرت النوايا الحسنة، باعتباره من المفاهيم " القيميّة " التي تتوفّر على كمّ هائل من الزئبقيّة والمراوغة .

لهذا نسْأل، هل من الضروري أنْ نضع تعريفا للمفاهيم وللقيم مرّة واحدة وإلى الأبد ؟

ومن له كامل الأحقّيّة والمشروعيّة ليضع هذا التعريف ؟

ثمّ ما هيّ الشروط الواجب توفّرها في الشخص أو الهيئة أو اللجنة التي تقوم بهذا العمل ؟

وإنْ تمّ الاتفاق على تعريف موحّد، هل سيكون حائزا على أغلبيّة الأصوات ؟ وهذه الأصوات التي تبنّتْ هذا التعريف، هل ستبْقى محافظة على نفس موقفها ؟

    إذن، في تناولنا لهذه الإشكاليات، من الضروريّ وضع مقولة " توماس هوبز " على طاولة التشريح :

" صحيح أنّ كلّ فرد يتمتّع خارج المجتمع المدني بحريّة تامة غيْر منقوصة، ولكنّها حريّة غير مثمرة ".(1)

بمعنى ؟

بمعنى لا بدّ أنْ تتنزّل الحريّة " الحقّة " ضمن المجتمع المدني، وإلا كانت هذه الحريّة هيّ الشرّ المتأصّل في الإنسان والرغبة في الهيمنة على الآخر .

إذن تمّ الاتفاق في أدبيات " هوبز " على أنّ الحريّة يجب أنْ تُقنّن وتوضع لها الشروط المثلى لننعم بحكمتها .هذه الشروط هيّ التي يفرضها ما يسمّى المجتمع المدني .

اتضح إذنْ في ملامسة أولى لخيوط الأفكار أنّ المجتمع المدني هوّ الذي يتمتّع بكامل الحريّة ليضع تعريفا " للحريّة ".

فما المجتمع المدني ؟

من / ما هي الأطراف الفاعلة فيه، والتي لها كامل القدرة على التعامل مع مفهوم الحريّة ؟

وهنا نلتقي مع الإشكال الذي طرحناه سابقا :

من له كامل الأحقيّة ليضع تعريفا للحريّة ؟

    إنّ المجتمع المدني مفهوم اتّضحتْ معالمه وخطوطه الكبرى والدقيقة مع الفيلسوف الإيطالي " أنطونيو غرامشي ". بعد أنْ تعرّض له بالطرح كلّ من الفيزيزقراطيين خلال القرن 18 بفرنسا، وعالجه هيجل وماركس . كما واصل الحديث عن هذا المفهوم العديد من المفكّرين والفلاسفة، لعلّ أهمّهم المفكّر الاجتماعي  السياسي الألماني " ماكس ويبرو " . والفيلسوف الأمريكي " جون روس " . 

فغرامشي، هوّ الذي بيّن معالم المجتمع المدني باعتباره المضمون الأخلاقي والأدبي والفكري للدولة .

وأوضح غرامشي أنّ الدولة تُقْدم عل تأسيس هياكل ومؤسسات متخصّصة، خاصة في مجاليْ المؤسسات التعليميّة والدينيّة بغرض دعم سلطتها ونفوذها وبسط هيمنتها التي هيّ بالضرورة هيمنة الطبقة الحاكمة أو المسيطرة على مدّخرات البلاد .

" لقد أصبح المجتمع المدنـــي عنده يعني قبل كلّ شيء ما فــــي البنية الفوقيّة مـــــن  مؤسسات فكريّة إيديولوجية يتمّ إنشاؤهــا واسْتعمالها لنشر الهيمنة الإيديولوجيّة "(2)

يُضاف إلى ذلك أنّ الدولة تسْتعين " بميكانيزمات " أخرى لتُثبّت تلك الهيمنة، كمؤسسة الشرطة والجيش والمخابرات وحتّى الهياكل الحزبيّة التي تتبنّى دور أجهزة الشرطة . هذا في الحالة التي يختلط في نفس الدولة المدني بالسياسي . بمعنى " المطابقة بين الحزب والدولة "(3).

هذه المطابقة تحصل دائما في الدول الأكثر تخلّفا والأقلّ ديمقراطيّة. والتي عادة ما يسيطر فيـها حزب واحـد على كلّ شؤون الحياة السياسيّة. ومـا عداه مـن أحزاب

" معارضة " أو هكذا تسمّى، ليست إلا ديكورا لتجميل المشهد السياسي. أيْ للاستهلاك الداخلي وتلميع صورة الدولة خارجيا.

" وفي هذه الحالة يتكلّم الحزب كما يتكلّم الأب المتسلّط باسم أبنائه، مع افتراض أنهم يفكّرون كما يفكّر، وبافتراض أنّ رأيهم المخالف هوّ بالضرورة مَسّ بشرعيّة سلطته " (4)

إنّ ما يحكم المجتمع المدني، هي المفاهيم التالية:

القانون + دولة

" فدولة القانون " تتشكّل عندما يكون القانون هوّ سيّد الأشياء. وأنْ لا شيء يمكن أنْ يعلو عليه.

وإنْ كنا نلاحظ الكثير من الخروقات في الدول المتخلّفة، خاصة من قبل أصحاب العائلة المالكة وأصحاب النفوذ المالي والسياسي .. وهم الذين يضغطون بطرق مختلفة لتغيير القانون أو تحويره أو تعديله أو حتّى إلغائه خدمة لمصالحهم.

وهذا يعني أنّ هذه المجتمعات مقنّنة ( يحكمها القانون )، ولكن هذا القانون يعدّ امْتدادا للصراع السياسي بين الطبقات أو بين الأحزاب.

عكس المجتمع المدني الذي يكون فيه القانون خاضعا لوفاق جماعيّ .

" فهذه المجتمعات المدنيّة تتميّز بأنّ لها أسسا ثقافيّة وحضاريّة واجتماعيّة وسياسيّة متّفق عليها ومقنّنة، ويعمل كلّ من الأطراف المعنيّة على احترامها

(... ) في حين أنّ في المجتمعات السياسيّة، القانون وراءه رجل الشرطة. وهذا ما يسمّيه بعض المفكّرين القانونيين "(5).

     هنا تحديدا يجب الحديث عن مفهوم " الاستقلالية "، باعتباره المفهوم الأهمّ / الأولي نحو الحديث عن مجتمع مدني. إننا لا يمكننا الحديث عن مجتمع مدني دون الإشارة إلى ضرورة اسْتقلال الفرد عن المجتمع، واسْتقلاله أيضا عن الدولة.

فالفرد هوّ الركن الأول لتأسيس دولة ما . وهو كذلك الكائن الموجود السابق على القوانين والتشريعات . لذلك وحتما، يجب أنْ تُسنّ القوانين لخدمته. ثمّ أنّ هذا الفرد لا بدّ أنْ يتّصف بالإرادة والحريّة، ويدافع عن قانون يوفّر له حريّة التفكير والاجتماع والتحزّب، ويحمي حرمته الجسديّة ومسكنه وأسرته ومراسلاته و...

هذا دون أنْ ينصهر الفرد انصهارا كليّا في المجتمع، فيفقد خصوصياته وهويّته وشخصيّته.وإنها ينخرط في المجتمع كجزء من آلة. يلتزم وفق عقد أخلاقيّ أنْ يساهم في " تأسيس الجماعة المدنيّة وتأمينها "(6).

بالمثل يجب أنْ يحافظ الفرد على مسافة ما/ اسْتقلاليّة من الدولة باعتبارها مجموعة من المؤسسات التي تدعم سلطتها ونفوذها.

فالدولة إذا عمدتْ إلى سحق الفرد ـ وبالتالي المجتمع ـ تحت أجهزتها القمعيّة، فإنها ساهمت من حيْث لا تدري في الإخلال باسْتقلاليتها.

كيف ؟

من الطبيعي أنْ يقبل الأفراد هذا الوضع اللاديمقراطي لمدّة ما قدْ تطيلها قوّة أجهزة الأمن والرقابة . ولكن المدّة قد تنتهي وينتهي معها صبر المواطن على الدولة .

فيتظلّم ويشتكي للمنظّمات الدوليّة والحقوقيّة منها . وقد تتضاعف بالموازاة ولادة خلايا وتنظيمات إرهابيّة ذات بعد دينيّ أو طائفيّ. هذا طالما أنّ الحركات النقابيّة والحقوقيّة والتقدّميّة، في الداخل لا تجد متنفّسا للعمل والاحتجاج بفعل القمع الداخلي والحصار والتصفية.

فالفرد الذي تصبح حقوقه مهمّشة وغيْر مضمونة وملغاة، في ظلّ جهاز قانونيّ متَلاعَب بشرْعيّته ... هذا الفرد يعقد علاقات " تضامن " غيْر مقنّنة مسْبقا

( اعتباطيّة ) مع أفراد آخرين، بغرض التصدّي لهذا الوضع عبْر العصيان ومن ثمّ " الثورة " التي تولد كحالة " تضامن " مقنّنة وغيْر اعتباطيّة. " فثورة ما ممكنة، عندما يُصاب الوضع القانوني بأزمة تسْمح للوضع اللاقانوني بالظهور والاشتغال " كما يبيّن ذلك فتحي المسكيني .

     إذن، نؤكد ثانية أنّ " الاستقلالية " يجب أنْ تتوفّر في علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة .

لأنّ هذا الهامش من الاستقلالية قد يسمح لكلّ طرف من الأطراف الثلاثة أنْ تؤدّي واجبها وفق القانون .وتقوم بواجباتها ـ بالمثل ـ وفق القانون .

     فالمجتمع المدني إذن، وحسب الأستاذ الصادق بالعيد " هوّ مجتمع يعيش فيه أعضاء في مسالمة في ما بينهم، والمبدأ الثاني هوّ أنّ المجتمع المدني يرتكز على الوفاق الاجتماعي وفي آن واحد على مبدأ الاتزان و (مع) هذا المجتمع... " (7)هذا المجتمع السياسي يجب أنْ يكون في خدمة المجتمع المدني، فيساعد على فصل السلطات الثلاث ( التشريعيّة ـ التنفيذيّة ـ القضائيّة ) وفصل الدولة عن الحزب الحاكم.

ويسْهل بالمثل تطبيق القانون الذي هوّ قانون مرسوم حسب " وفاق جماعيّ ".

بتفكيكنا لمفهوم المجتمع المدني، نعود لنسأل:

من / ما هيّ الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، والتي لها كامل القدرة والمشروعيّة لتضع مفهوما للحريّة ؟

إنّ طرحنا لهذا الإشكال، يحيل إلى مزالق خطيرة أخرى، لعلّ أهمّها إقرارنا أنّ مفهوم الحريّة مفهوم لم يتحدّد بعد . أو هو مفهوم متعدّد التعريفات . أو هوّ مفهوم نحتاج إلى تعديله كلّ مرّة.

فهل هذه الفرضيات صحيحة بحيث تقف ضدّ ثبوتيّة ما اعتنقْناها، مقرّينا بأنّ مفهوم الحريّة وقع تحديده، وأنّه ثابت لا يتغيّر .

إنّ الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، والتي لها كامل الأحقيّة في تحديد مفهوم الحريّة، هوّ الفرد نفسه.

وبالعودة إلى مقولة " هوبز " مرّة أخرى: " صحيح أنّ كلّ فرد يتمتّع خارج المجتمع المدني بحريّة تامة غيْر منقوصة، ولكنها حريّة غيْر مثمرة " ... بالعودة إلى هذه المقولة، يتأكّد مما لا يدع مجالا للشكّ أنّ " الحريّة التامة ( و ) غيْر المنقوصة " يتمتّع بها الفرد خارج أطر وقوانين المجتمع المدني . بمعنى أنّ الحريّة داخل منظومة المجتمع المدني، هيّ حريّة غيْر تامة ومنقوصة.

فما الذي يجعل هذه الحريّة كذلك ؟

رغم أنّ العاميّ يعتقد أنّ الحريّة ستزداد اكتمالا بوجودها ضمن المجتمع المدني.

إنّ المجتمع المدني، يفترض وجود ما أسْميْناه " بالاستقلالية ". هذه الاستقلالية تفرض مسافة ما بين المواطن والمجتمع والدولة.وهذه المسافة، ما يجعل منها كذلك ويُبْقيها عل حالتها الطبيعيّة تلك، هو القانون.

القانون المكتوب ( الوضعي أو الإلهي ) والقانون الأخلاقي ( يعني وقع الاتفاق عليه اجتماعيا، دون أنْ يُدوّن ).

فالقانون المكتوب أو الأخلاقي، هو الذي يحدد تلك المسافة وشروطها ودوامها. وهي مسافة تختلف من مجتمع إلى آخر ومن طبيعة إلى أخرى ومن زمن إلى زمن آخر..

فالمسافة التي تفصل تعامل المرأة مع الرجل في المجتمع الإسلامي ( الافتراضي أو الذي اُصطلح عليه كذلك ) مغايرة تماما للمسافة التي تفصل بينهما في مجتمع أوروبي.

أما طبقيّا، فنفس العلاقة مختلفة بينهما عند الفلاحين في الجنوب الزراعي أو الصحراوي، كما تختلف بين المواطن من طبقة دنيا ( الفلاح والعامل ) ونظيره الرأسمالي.

بالمثل تختلف هذه المسافة وتتغيّر بعبورنا في الزمن ( القرن الأول مثلا، والقرن 18، والقرن الحالي، و... ) فالعلاقة داخل روسيا القيْصريّة ـ مثلا ـ ليْست هيّ نفسها داخل الإتحاد السوفياتي، ولا هي نفسها الآن .

والمثال ينطبق على كلّ الدول تقريبا.

إذن، داخل كلّ شكل من أشكال النظم السياسيّة، تقع صياغة قوانين وتعديل أخرى وحذف بعضها لتتلاءم مع الوضع الراهن، أو بالأحرى لتخدم مصلحة الطبقة المسيْطِرة . مثلما يحصل الآن مع القوانين الخادمة لمصلحة الرأسماليّة .

وطالما أنّ حتْميّة الصراع، تفرض وجود طبقات أخرى خارج النسق السياسي الحاكم مهمّشة أو مبعدة، فإنّ هذه الأخيرة يفترض بها أنِْ تسْتجمع قواها لتدخل في صراع مع الطبقة المهيْمنة . بل هكذا تتوقّع الطبقة المسيْطرة على الدولة والمجتمع. 

إنّ هذا الافتراض أو التوقّع، يجعل من الطبقة الحاكمة ( الرأسماليّة حاليا ) تسنّ قوانين تخدم مصلحتها وتقف ضدّ مصلحة الطبقات والفئات الأخرى.ولو أدّى بها الأمر إلى الانقلاب على المبادئ والقيم التي قامت عليها، وقامت عليها المنظمات الإنسانيّة الأمميّة .من ذلك قامت عديد الحكومات العربيّة، بإصدار قوانين بالقوّة أو بالتحايل على القوانين، ضدّ الحركات الإسلاميّة السياسيّة. حتّى التي وصلتْ إلى السلطة بالطرق الديمقراطيّة المتعارف عليها .

بالمثل سعتْ بعض الأنظمة ذات التوجّه الإسلامي ( إيران مثلا ... ) باستصدار القوانين التي تحول دون ظهور أحزاب علمانيّة أو لائكيّة .

نخلص إلى القول، أنّ هامش الحريّة يزداد أو يتقلّص حسب الطبقة الماسكة بدواليب الدولة.

وإذا ثبت أنّ هذه الطبقة تمثّل الأغلبيّة، فإنّ القوانين التي سنّتْها تحافظ على نسبة من الشرعيّة، وأنّ الحريّة المتوفّرة وفْق هذا النظام وهذه القوانين، حريّة يمكن أنْ نقول عنها حسب هوبز،  " حريّة مثمرة ".

أمّا إذا ثبتَ العكس، أيْ أنّ الطبقة الحاكمة لا تمثّل الأغلبيّة أو فقدتْ مناصريها، مثلما هو الآن في الشأن العربيّ، فإنّ القوانين الجاري بها العمل، ليستْ شيئا آخر غيْر المحافظة على السّائد. هذا السائد ليبْقى، لا بدّ من تقليص هامش الحريّة لدى المثقف والفنان وحتّى المواطن العادي. وهذا ضدّ القول السائد، أنّ للحريّة مفهومها الخالد والأزلي والممتدّ في الزمان والجغرافيا .

فكيف نعرف هامش الحريّة مثلا ـ وفق هذه الثبوتيّة ـ عند مواطن لا يُسْمَح له بتمْجيد الليبراليّة، وهو في مجتمع إسلامي ؟ في حين لا يُسْمَح للآخر بتمجيد الفكر الديني والدعوة لولاية الفقيه، وهو في مجتمع علماني .

بالمثل لا يُسْمح للمواطن في المجتمع الاشتراكي ( السوفياتي مثلا والكوبي .. ) بالتباهي بالرأسماليّة، في حين يُقمَع غيره عندما يمدح الشيوعيّة.

فأيهم الحرّ من وجهة نظر القيم الإنسانيّة المطبّقة حاليا ؟

طبعا الإجابة واضحة . غير أنني أناقضها، وأعتبر أنّ كلّ فرد من أولئك هو حرّ وفق منظومة اجتماعيّة وسياسيّة محدّدة، خلقت نسقها الخاص وسنّتْ قوانينها.

إذا كانت الديمقراطيّة تعني في شكل من أشكالها، وصول حزب أو طبقة إلى السلطة بالانتخاب الحرّ، فإنّ هذا الشكل من الديمقراطيّة أوصل الأحزاب ذات التوجّه الرأسمالي إلى سدّة الحكم في أغلب أنحاء العالم.

وهذا الامتياز مكّن هذه الطبقات من سنّ القوانين وتأسيس المؤسسات التي تجعل الفرد داخل دولة ما يُمارس ما يسمّى " بالحريّة " داخل ذلك النسق السياسي.

نفس الشكل الديمقراطي الذي تتباهى به الأنظمة الرأسماليّة أرسته أنظمة أخرى. على غرار إيران وفلسطين والجزائر . فأوصل الحركات السلفيّة إلى الحكم بنفس الشكل الانتخابي المعترف به دوليا .

إذن، لماذا نصبغ صفة " الديمقراطيّ " على الحزب العلماني أو اللائكي أو المسيحي. في حين نسحب تلك الصفة من الأحزاب ذات التوجه السلفي ؟

سؤال لا أعتقد أنّ الإجابة عنه من السهولة بحيث يمكن تفكيكه لإشفاء غليلنا .

مع ذلك يمكن أنْ نفهم هذا التحامل الدولي على تلك الحركات وتلك الدول.

نحن هنا لا ندافع عنها أو نشرّع لها، إلا أننا وفق السياق الديمقراطي المتعارف عليه لدى الأنظمة الليبراليّة، أمكن لتلك الحركات أنْ تفتكّ شرعيّة ما، بالاعتماد على القاعدة الجماهيريّة... العنصر الأهمّ لتوجيه مؤشرات صندوق الاقتراع .

فهل " الحريّة " داخل النسق السياسي " الإسلامي " ليست هيّ نفسها خارجه ؟

وهل " الحريّة "داخل النسق السياسي الشيوعي سابقا، ليست هي نفسها خارجه ؟

بالطبع ليست هي نفسها، لكن أيّ هذه الأشكال من " الحريّة " هي الأفضل ؟

من السهل أنْ أجزم أنّ الحريّة داخل الشكل الليبرالي / البرجوازي هي الأفضل.

في الوقت الذي يقرّ آخر أنّ الحريّة داخل الشكل الإسلامي للحكم هي الأفضل. وثالث يدافع عن حريّة داخل الشكل " الشيوعي " للسلطة.

مع العلم أنّ الفرد داخل تلك الدول هو الذي أوصل تلك الأحزاب إلى السلطة. البعض سيتحدّث عن مؤامرة أو اسْتبداد أو اسْتغفال للشعب. وأنا أتحدّث عن مؤامرات أخطر واسْتغفال أشدّ تقع داخل الأنظمة التي تدعي أنها من يطبّق المفهوم الحقيقي للديمقراطيّة.

لا بدّ إذن من إخضاع الأشكال المختلفة للحريّة إلى مبدأ " الاستقلالية ". بمعنى هل يتمتّع الفرد داخل تلك الأنظمة ( الليبرالية ـ الشيوعيّة ـ السلفيّة ) باسْتقلاليّة ما تجعله يترك مسافة بينه وبين المجتمع من جهة، وبين الدولة من جهة أخرى ؟

إنّ هذه الأنماط الثلاثة من الحكم ظلّت في صراع منذ 1917 بانتصار الثورة البلشفية التي تزامنت مع وجود شبه رسمي للنظام السياسي الليبرالي، وهو صراع قوامه " الطبقيّة ".

في حين كانت التنظيمات السياسيّة الدينيّة لا تزال غيْر معلنة أو ليس لها ذات الوجود المؤثّر.رغم وجود الخلافة العثمانيّة ذات المعالم الدينيّة. مع ذلك ليست دولة دينيّة .

لذلك فالحركات اليساريّة حين تمارس " عنفا " ما ضدّ الدولة، إنما تسعى لآفتكاك شرعيّة ما أو حقّ ما تعتبره هوّ الحقيقة .وأنّ ما تمارسه الدولة تلك، ليس شيئا آخر غيْر الاستبداد والقمع ضدّ  رعاياها .

بالمثل ما تفعله حركة دينيّة داخل دولة ما وضدّها، إنما هو " حرب مقدّسة " و

" جهاد " يراد به ومن خلاله امتلاك حقيقة ما.

ونفس الشيء لمّا تعمد دولة ما إلى تصفية معرضيها من الإسلاميين أو من الشيوعيين أو من العلمانيين بتعلّة " الإرهاب " أو " الانفصاليين " أو " المرتدّين" و" الكفرة " .

ولن أذهب مع فتحي المسكيني بالقول " أنّ خطر الأصوليّة هو في أنها تُنازع الدولة القانونيّة من خارج أرضيّتها الخاصة "

صحيح أنّ خطاب الأصوليّة متعال وغيْر منطقي، مستمَدّ من مرجعيّة غيْبيّة لاهوتيّة، وأنّ الخطاب العلماني يسْتمدّ أصوله من العقل " العلمي " الواقعي .ّ

إلا أنّ المؤاخذة تعود على " دولة القانون "، تلك التي لم تستطع إلى الآن فتح أفق الحوار مع التيارات الدينيّة، باعتبار أنّ هذه الدولة لم تعد " دولة الحقّ "التي تمنح للمواطن كلّ أشكال الحقّ الطبيعي، وتحدّد بدقّة حكم الدولة.

فالحقّ الطبيعي المؤسس لدولة الحقّ، هوّ الذي يمنح إمكانيّة ما لفتح حوار مع كلّ فرد داخل الدولة، مهما كانت إيديولوجيته وقناعاته .

وهذا تحديدا ما سبق وأنْ أشرنا إليه تحت مفهوم " الاستقلالية ". هنا استقلاليّة الفرد عن الدولة .

هذه الاستقلاليّة ـ التي لم تتوفّر عليها الأنظمة العربيّة الآن ـ هي التي ساهمت وستساهم في خلط الأدوار وضياع " الحقّ " وارتباك مفهوم الدولة. وبالتالي هشاشة القانون وتضاعف " الاجتهاد " ( وفق المعجم القانوني وليس وفق المعجم الديني ) لتعريف مفهوم الحريّة .

هذه الاجتهادات المختلفة التي تكون قانونيّة حينا وأخلاقيّة أخرى وثقافيّة ثالثة، تجعل من الممكن ظهور نواة للعنف الفكري، ومن ثمّ العنف المادي .

هذا العنف الذي يتطوّر نحو مفهوم الإرهاب .

فالعنف الذي يراد به افتكاك مكاسب معيّنة، قد يتطوّر نحو إرهاب، يراد به تدمير الدولة... أي تغيير طبيعة الحقّ الذي يحدّد وجود الأفراد داخل الدولة، وبالتالي تغيير مفهوم القانون أو ضربه.

     إنّ القول أنّ الحريّة مفهوم تمّ تحديده نهائيا، إنما هي محاولة سافرة ومشبوهة، يراد بها ترسيخ قيم ومفاهيم رأسماليّة ذات أهداف يراد بها السيطرة والهيمنة على العالم. وهذا ما تمّ الترويج له عبر الكتابات الأخيرة لفوكياما و همنغتون وتمّ تدعيمه عبر الأدبيات التي تمرّر مفهوم " العولمة " باعتبارهــــا  " إقصاء للخصوصيّ " (8)

إنّ الشكل التوحيدي للمفاهيم ( الإرهاب ـ العولمة ـ الحريّة ـ الديمقراطيّة ...) ضيّق على المثقف إمكانيات المناورة والصراع . خاصة أنّ هذه المفاهيم جاءت مسْقطة، ولم نساهم في تقديم الأفكار والمقترحات التي من شأنها أنْ تقرّب هذه المفاهيم أكثر إلى واقعنا.

فهل يمكن للمثقف الآن أنْ يطرح بديلا لمفهوم الحريّة السائد ؟ أم أنّ محاولاته قد تصطدم بمفاهيم أخرى تحدد مجالات القول ودواعيه ؟ وهل أنّ اللسان العربيّ قادر الآن على صياغة تلك المفاهيم ؟

أسئلة لا أعتقد أنّ الإجابة عنها من السهولة بحيث يمكن إضافتها لهذا المقال، غير أنه من الضروريّ الإشارة إلى أنّنا حرّكنا المياه الراكدة لمفهوم الحريّة باعتباره ـ حسبما يشاع ـ ذلك المفهوم الذي لا يتغيّر.

 

الهوامش :

1 ـ عبد الرحمان التليلي، " الحق كإقصاء للعنف"، علم الفكر، المجلّد 31ـ العدد 4 ـ أفريل 2003، ص 70 .

2 ـ الطاهر لبيب، المجتمع المدني ( مجموعة من الكتاب )، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان/ فرع حمام الأنف، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 9.

3 ـ نفس المصدر السابق، ص 10 .

4 ـ نفس المصدر السابق، ص 10 .

5 ـ الصادق بالعيد، المجتمع المدني (مجموعة من الكتاب)، الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان / فرع حمام الأنف، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 26. 

6 ـ عبد العزيز لبيب، المجتمع المدني( مجموعة من الكتاب )، الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان/ فرع حمام الأنف، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 35.

7 ـ الصادق بالعيد، نفس المصدر السابق، ص 20 .

8 ـ صادق جلال العظم، " ما العولمة "،دار الفكر المعاصر، ط 2 ـ 2002 ، ص 86 .


 

 

 

ماذا علّمنا بابلو نيرودا ؟

 

" ... منذ ذلك الحين، اخْتلطتْ السياسة بحياتي وبشعْري، فليْس من الممكن إغلاق الباب على الشارع في داخل شعْري، وكذلك ليْس من الممكن إغلاق الباب في وجْه الحبّ والحياة والفرْحة إلى حزْن قلب الشاعر الشاب أيْضا " (1)

      قال ذلك شاعر الشيلي الأكبر، في لحظة وجْد مع الذات ... لحظة صدْق حملها معه في صدْره وأوْصدَ الأبواب بمفاتيح الشعْر ... حملها معه في كلّ تجاربه .

فنيرودا الذي طبّقتْ أشعاره الآفاق، وصارتْ تُردّد في المسيرات العماليّة والنقابيّة والنضاليّة، بات يمثل خطرا على حكومته وحكومات الألتيوـ أمريكيّة . فعُيّن قُنْصلا لبلده في رومانيا وهو لا يزال في الثالثة والعشْرين من عمره .

عنْدها مرّ مُحمّلا بأشْعاره بالبرتغال وإسبانيا وفرنْسا ... حتّى سهول آسيا . في زمن كان يزْخر بالعظماء من أمثال غارسيا لوركا وأنطونيو ماتشادو ومانويل مانشادو وليون فيليبي .. إضافة للفنانين والقصّصين والفلاسفة .

ومع كلّ ذلك الزخم مرّتْ نصوصه إلى العامة . كان يقول :

" هنا تجدني

قريبا جدّا من الأرض " (2)

نعم كان قريبا جدّا من الأرض .. من العامة والدّاصة والدهْماء على حدّ تعْبير الجاحظ . وكان نيرودا أشْبه بالوهج للثورات والحركات التحرّريّة، شعاره في ذلك

" إنّ الفنّ لا يتقدّم، لكنّه يتحرّك " (3) وبهذا يكون قدْ سبق بفكرته جوزيه ساراماجو .

هكذا علّمنا بابلو نيرودا ... أنّ الفنّ / الشعْر، إذا تحرّك حرّك المياه الراكدة .. المياه التي لمْ يعدْ من الممكن الآن أنْ يحرّكها أيّ شاعر . وكان يقول :

" الليْل على الجبل يصْعد

والجوع تحْت النهْر " (4)

إذنْ أيّ مياه سيحرّكها الشعراء ؟

وهل بالإمكان اليوم أنْ نصّعّد جبال الليْل العالية، فنفكّ قيود الشمْس الأسيرة ؟

وهل بإمكاننا أنْ ندْخل في مسام النهر، لنقْتلع الجوع من جذوره ؟

ما زلْنا ننادي بصوْت نيرودا :

" إننا نتألّم " (5)

إننا يا نيرودا نناديك بحناجرنا المجْروحة ومعاصمنا المذْبوحة وأصْواتنا الأسيرة وأصابعنا المقْطوعة .

علّمني نيرودا :

( أنْ ) " أمْشي بثبات نحو الأمام

لأنّ لديّ ألْف عيْن تُبْصر

وأضْرب بثقْل الصخْرة الصمّاء

لأنّ لديّ ألف يد

وصوتي يُسْمَع في ضفاف

كلّ الأقطار

لأنه صوت كلّ من لم يتحدّث

من لم يغنّ " (6)

إننا أمام دسْتور شعْريّ لم يُدوّن نثْرا، كما اتّفق الذين من بعْده من أشْباه الشعراء في بياناتهم ووخزعْبلاتهم، إيذانا بالكسل النضاليّ ونكاية في الجماهير المسْحوقة .

لكلّ شاعر بيانه الشعْريّ ..

 لكلّ سياسيّ بيانه السياسيّ  ....

لكلّ عسْكريّ بيانه العسْكريّ ...

غيْر أنّ إلقاء البيان على طاولة الواقع، مسْألة غاية في البلاهة والغباء . كأنّ الواقع لا يتّسع لبياناتهم التطبيعيّة والإمبرياليّة .

ماذا أضافتْ بيانات أدونيس ومحمّد بنيس وأتباعهما من التونسيين ؟ لا شيئ بالتأكيد .

خلافا ... بيان نيرودا جاءنا شعْرا :

كأنه يقول كنْ ثابتا بألف عيْن واضْربْ الصخْر بألف يد واصْدحْ بصوْتك ليكون صوتا لمن لا صوت له .

هذا بيان يُطْلق كرصاصة ليصيب، وليْس دستورا يُعلّق في مدينة فاضلة لتسْتمْتع به الجماهير المسْحوقة أصْلا .

ألم يقل المتنبّي :

وسَارَ به منْ لا يَسيرُ مُشمّرا

وغنّى به منْ لا يُغنّي مُردّدا

نيرودا كان صوتا على الظلم والقمْع والإسْتبْداد ... كان صوتا ضدّ الإمبرْياليّة الطاغية . خلافا لشعرائنا اللطفاء جدّا والسعداء جدّا بواقعهم الغارق في الوحْل إلى حدّ النخاع .لا ضير إنْ احْتفلوا بأمريكا أو تسابقوا لإرْضاء الأكادميين والسياسيين . حتّى يكون نصّهم نصْرة لللإمبرْياليّة وللطغْيان والإنفراد بالسلطة والقمْع السياسيّ والثقافيّ . وإنْ لمْ يمْدحوا فقط سكتوا . والسكوت فِراش للخيانة .

في الوقْت الذي لا زالتْ " ثعالب التاريخ " (7) ترْتع في أراضينا رافعة مخالبها الآثمة .

علّمنا نيرودان أنْ لا حقيقة " لنهاية الإيديولوجيا " ولا حقيقة لكتابة الشعر من أجل الشعر، على قياس الفنّ للفنّ ...

الحقيقة، كما يرْويها نيرودا هيّ :

" أنْ لا أتْعب منْ أنْ أكون أو لا أكون " (8)

علّمنا أنْ لا نتْعب ... أنْ لا نتوقّف ... أنْ لا نسْتسْلم ... أنْ لا نُسلّم .

 فالحياة كما يراها وكما يجب أنْ نتعلّمها " ... تعْني الموت / تعْني الحياة " فإنْ متّ من أجْل الحياة فأنـتَ حيّ، وإنْ حييت هربا من الموْت فأنتَ ميّت لا محالة .

قالها شاعر عربيّ خانتْني الذاكرة كي لا أسْتحْضره :

ليْس من ماتَ فاسْتراحَ بميْت

إنّما الميّت ميّت الأحْياء

نحن الأحياء الأموات .. نحن الأموات الأموات ... نحن " النحن " نقْبع في الدرك الأسْفل من التاريخ، بقياس فقْهيّ . وسُعداء بتلك المرْتبة، بفضل شعرائنا وسياسيين وعلمائنا وفنانينا و ... و ... ونحن .

إذن أيّ معْنى للشعْر عند نيرودا ؟

أيّ معْنى للشْر عنْدنا الآن ؟

يقول شاعر الشيلي الأكبر :

" .. أسْتطيع أنْ أكتب عن الورْدة، عن الجمل، عن الحبّ .. لكنّ لو حَدَث في وطني حادث خطير أو تهْديد لكرامة شعْبي فإنني أسْتعْمل شعْري كسلاح . " (9)

أيْن نحن من هذا ؟

يتحدّث نيرودا عن التهْديد والكرامة .. ونحن بلا كرامة وبلا أوطان . الأوطان المسْحوقة والمسْروقة والمغْزوّة والمريضة والبائسة ... إنها أوطاننا .

مع ذلك لا زال الشعراء يُصفّقون ويحْتفلون ويتمسّحون على العتبات، وكأنّ لا شيئ قدْ حصَل .

وإنْ امْتنعوا عنْ ذلك، فإنهم حلّقوا في السرْياليّ والغامض، هروبا من التهمة والشبهات  ... هروبا من الشارع .

لقد علّمنا نيرودا أنّ " البرْجوازيّة تطْلب شعْرا مُنْعزلا بقدْر الإمكان عن الواقع . والشاعر الذي يعْرف تسْمية الخبْز خبْزا والخمْرة خمْرة، فهو خطر على الرأس المال المُحْتضَرْ " (10)

لماذا إذن لا نُسمّي الأشْياء بأسْمائها ؟

هل هو العجْز ؟ أمْ هو الخوف ؟ أم هي الدهْشة ؟ عفْوا ليْست " الدهشة " بالمفهوم الفلسفيّ التي تعني بداية الفلسفة، كما علّمنا " هيدغير " . وإنما الدهشة بمعنى

" الغياب " أو " الغيْبوبة " .

يقول نيرودا :

 " أحْببتُ أنْ أكون خبْزا

الصّراع ما وَجَدني قطّ مُتغيّبا " (11)  

 

" الصّراع " الذي فهمه الشعراء على أنه الترّهات والجدالات والنزاعات الفقْهيّة والسفسطائيّة، حول المدارس الأكاديميّة والحركات النقْديّة وقصيدة النثر والعروض.

علّمنا نيرودا أنْ نكتب بأيّ رصاصة نشاء ... بأيّ صوت نصْدح ... بأيّ أصابع نحفر ... بأيّ أيادي ندكّ الصخْر دكّا .

المهمّ أنْ يبْقى الضوء ساطعا وقدْ توقّف كلّ شيئ .... المهمّ أنْ نُحرّك المياه الراكدة، بعْد أنْ سكنتْ قرونا ... المهمّ أنْ نكْتشف ينابيع الحياة .

والحياة ليْستْ شيئا آخر غيْر أنْ يكون الشاعر " قريبا من الأرْض " .

مع ذلك .....

أصَفّق المطبّعون ... أهَتف الشعراء والملوك ... أمرّروا أنفلونزا الراسماليّة القاتلة ... أرَكنوا للثابت والراهن ... أتملّقوا ... أتسلّقوا ...

سيبْقى الشعر هو الشعر . نأخذه عن نيرودا وسارماغو ولوركا وممدوح عدوان ومعين بسيسو ودرْويش وبوشكين والنواب ... إلخ ونتْرك للتعساء من الشعراء نقيقهم، يسبّحون به في غدْران الطحلب الوطنيّ الراكد .

وسنردّد بصوت نيرودا، ومعنا البقيّة من التقدّميين :

 " لا تقلْ أنّ القيثارة قدْ صمتتْ

بعْد أنْ جفّتْ كنوزها لأنها لم تجد

نغْمة تعْزفها

قدْ لا يوجد شعراء، ولكن الشعر موجود

سيوجد دائما

مادامت موجات النور هي القبْلة

تنْبض مُلتهبة

وما دامت الشمس تكْسو الغيوم الممزّقة

بالنار والذهب

( .... )

وما دام يوجد في العالم ربيع

فسيوجد الشعر " (12)

هكذا علّمنا نيرودا، وسنبْقى نحْتفظ بدروسه تلك ما دامت أرْضنا الآن لا تُنْبت العشْب / الشعراء .

وفي انْتظارأنْ يَنْبت الشعراء كالعَرَق من جلودنا، نكون قد نسينا الشعر أو نسينا الأرض ... أو ربّما نسينا أن لنا قضايا نُدافع عنها .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :

1 ـ مذكرات، ص 76 .

2 ـ رسائل إلى شعراء إسبانيا .

3 ـ  ساراماجو جوزيه : من الذاكرة إلى القصّة عبْر التاريخ .

4 ـ أشعار القبْطان ص 78 .

5 ـ نفس المصدر السابق .

6 ـ نفس المصدر السابق .

7 ـ نفس المصدر السابق، ص 80 .

8 ـ مسكن في الأرض،ج 1 ، ص 77 .

9 ـ مجلّة ليتورال، عدد 40ـ 41 .

10 ـ مدكرات اعْتراف،  ص 406 .

11 ـ إشْفاق، ص 50 .

12 ـ منتخبات من قصائد، اخْتارها خواكين دي لوكاس وترجمها كل من كمال فوزي الشرابي وساجي ديب، ص 22 ـ 23 .